اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يكن دخول الولايات المتحدة الأميركية إلى الأراضي السورية بصورة غير شرعية، في العام 2014، إلا لتثبيت أقدام لها، لاستكمال مشروع إضعاف الدولة السورية، والإمساك عسكرياً بالفصائل المعادية لها، بما يضمن دوراً لها في مستقبل البلاد، بعد فشل خطة إسقاط "النظام" الحاكم في سوريا.

ولتبدأ بعد تحقّق هذا الوجود على الأرض بممارسة هذا الدور على أرض الواقع، بعد أن ثبتت وجودها في أغنى مناطق البلاد اقتصادياً وزراعياً. ورأت حينها، في ذريعة مساندة "وحدات حماية الشعب" الكردية، سبباً مقنعاً للتدخل البري في هذه البلاد، بعد أن اقتصر دعمها في البدايات على القصف الجوي.

ومنذ ذلك الحين عمل الأميركيون على توسيع هذا الوجود تدريجياً، من خلال بناء قواعد ومطارات لضمان التنقل الآمن للجنود، مع اعتماد معبرين غير شرعيين بين حكومة كردستان العراق، ومناطق سيطرة "الوحدات" الكردية، والتي شكلت تحالفاً عسكرياً في العام الـ2015، بتوجيهات وإشراف أميركي، تحت اسم "قوات سوريا الديمقراطية". وحرصت أيضاً على إنشاء قاعدة في منطقة التنف الاستراتيجية، على مثلث الحدود السورية- العراقية- الأردنية، لتضمن بذلك قدماً لها في شرق البلاد وشمالها وجنوبها، مع تواجد آخر لحليفتها تركيا في غربها.

ومع الضغط التركي المتواصل على إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، نجحت في إقناعه بالانسحاب التام من الأراضي السورية، تزامناً مع إطلاقها لمعركة "نبع السلام" واحتلال منطقتي تل أبيض ورأس العين بريفي الحسكة والرقة الشماليين، وذلك في تشرين الأول من العام 2019. وبعد أن بدأت القوات العسكرية بتطبيق القرار والانسحاب من الشريط الحدودي الممتد من منبج مروراً بعين العرب والرقة، وصولاً إلى بلدة تل تمر بريف الحسكة الشمالي الغربي، أعلنت إدارة ترامب التراجع عن قرار الانسحاب الكامل، مع الاحتفاظ بقواعد في محيط حقول النفط والغاز في كلٍّ من الحسكة وديرالزور في تشرين الثاني 2019.

وأرادت واشنطن من هذا التراجع منع وصول كلّ من موسكو ودمشق إلى آبار النفط، بعد أن أعلنت "قسد" عن تحالفها معهم، والموافقة على دخول الجيش السوري إلى كامل الشريط الحدودي من منبج وصولاً إلى المالكية بأقصى الريف الشمالي لمحافظة الحسكة لوقف التمدّد التركي باتجاه هذه المناطق.

وبدأت بعدها واشنطن تنفيذ خطة لوجود طويل الأمد في محيط حقول رميلان والعمر وكونيكو، باعتبارها تنتج أكثر من 90% من إنتاج البلاد من النفط والغاز. وبالتزامن مع ذلك أعلن قائد قوات "قسد"، مظلوم عبدي، التعاقد مع شركة "دلتا كريسنت إنرجي"، بعد أقل من عام على الإعلان عن الاحتفاظ بالوجود العسكري في آبار النفط والغاز، بهدف تطوير الإنتاج والاستفادة اقتصادياً من الوجود الأميركي في المنطقة، لتغطية نفقات وجود القوات في هذه المناطق على الأقل، وتخفيف الكلفة المالية عن وزارة الدفاع، إلا أن ذلك لم يتحقق على الأرض، لصعوبات تتعلق بحالة عدم الاستقرار خاصة في أرياف دير الزور.

هذه الإجراءات أظهرت نوايا أميركية بالاحتفاظ بوجود طويل الأمد في الأراضي السورية، رغم تواجدها غير الشرعي على هذه الأراضي، ودون موافقة الحكومة الشرعية في دمشق، ولا حتى مجلس الأمن الدولي. ولتنفذ واشنطن خططها على الأرض من خلال نهب موارد البلاد الاقتصادية من نفط وقمح، وتهريبها إلى العراق لبيعها وتحقيق دخل اقتصادي يعوض جزءاً من عدم إدخال عقد شركة "دلتا إنرجي" في الخدمة.

كل ماسبق، دفع الحكومة السورية، إلى الحث على تشكيل مقاومة شعبية ضد الأميركيين، للتعبير عن الرفض الشعبي للوجود الأميركي في سوريا، بدأته في تنظيم احتجاجات بمناطق واسعة في الحسكة ودير الزور. وفي وقت كانت الاحتجاجات الشعبية تتصاعد ضد الأميركيين في محافظات الشرق السوري، أعلنت المقاومة الشعبية في سوريا، عن أول استهداف للقواعد الأميركية غير الشرعية، عبر استهداف "قاعدة حقل العمر" النفطي بريف دير الزور الشرقي، بعدة قذائف صارخية، في 28 حزيران 2020. ومنذ ذلك الوقت تكررت الاستهدافات للقواعد الأميركية في كل من الحسكة ودير الزور وحتى التنف لتلامس الثلاثين استهدافاً، حتى ما قبل عملية "طوفان الأقصى"، والهجوم الوحشي للاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي نقل المقاومة إلى مرحلة جديدة.

تصاعد العمليات بعد العدوان على غزة

جاء إعلان المقاومة الإسلامية في العراق، في السابع عشر من الشهر الفائت، اعتبار القواعد الأميركية غير الشرعية في سوريا والعراق هدفاً لها، رفضاً للدور الأميركي الرئيسي في قتل أهالي قطاع غزة، ونصرة للمقاومين في القطاع، ليكون نقطة تحول في عمل المقاومة كماً ونوعاً.

ومنذ هذا التاريخ، نجحت المقاومة بالوصول لنحو 40 مرة إلى القواعد الأميركية في سوريا واستهدافها، وإلحاق خسائر في صفوفها. وتدلُّ هذه الإحصائية، على مضاعفة عدد المرات التي استهدفت فيها المقاومة القواعد الأميركية في سوريا، لمرة ونصف على الأقل، منذ أول قذيفة سقطت على هذه القواعد قبل نحو من عامين ونصف. كما تمكنت المقاومة من الوصول لأكثر من مرة لكلّ من قواعد "العمر وكونيكو" بريف دير الزور، و"التنف والركبان" على الحدود السورية الأردنية العراقية، و"الشدادي ومطار خراب الجير، ورميلان، وتل بيدر وقسرك" بريف الحسكة، وهي تشكّل في مجملها نحو ثلثي القواعد الأميركية في البلاد، والتي تصل إلى 14 قاعدة ومركز.

أي أثر للهجمات؟

أظهرت استهدافات المقاومة المتكررة للأميركيين، والذي بات حدثاً يومياً منذ السابع عشر من الشهر الفائت، قدرات ميدانية عالية لها، من خلال نجاحها في تطوير أدواتها بشكل لافت، عبر استخدام الطائرات المسيرة والمدافع القصيرة المدى، مع راجمات الصواريخ، في ضرب القواعد الأميركية في شرق البلاد وجنوبها.

وباعتراف أميركي فإن الهجمات على القواعد الأميركية أدت إلى إصابة 59 جندياً في الاستهدافات التي طاولت هذه القواعد في كلّ من سوريا والعراق، وغالبية الإصابات في القواعد المتواجدة في سوريا. وفي هذا الإطار تؤكد مصادر ميدانية لـ"الميادين نت"، أن "العدد الأكبر من الإصابات في صفوف الجنود الأميركيين حدثت في قاعدتي العمر بريف دير الزور الشرقي، وخراب الجير" في الحسكة، مع إلحاق أضرار مادية في المدينة السكنية في القاعدتين، وتدمير جزء من مستودع أسلحة وذخائر في قاعدة حقل العمر".

ولفتت المصادر إلى أن "الزخم الكبير لاستهدافات المقاومة، دفعت بالقيادة الأميركية في سوريا، إلى وقف الإجازات، وتوقيف تبادل القوات بين سوريا والعراق، والتي عادة ما تجري كل 3 أشهر، مع تكثيف المناورات العسكرية الدفاعية"، مبينة أن "هناك حالات إغماء وانهيار عصبي ونفسي في صفوف الجنود الأميركيين بعد كل حادثة استهداف، وهو ما يفسر قدرة الهجمات على بث الرعب والخوف في صفوف الجنود الأميركيين المتواجدين في هذه القواعد، بأثر نفسي فاعل للهجمات".

أما في الأثر العسكري، فإن المقاومة ورغم استخدامها لأسلحة بسيطة وفي غالبيتها مصنع يدوياً، إلا أنها استطاعت استنفار وزارة الدفاع الأميركية، التي أرسلت منذ التصعيد الأخير للمقاومة، أكثر من 150 شاحنة محملة بأسلحة دفاعية، مع هبوط طائرات الشحن لأكثر من مرة في مطار خراب الجير، وقاعدة الشدادي. ليظهر بعد ذلك أن واشنطن عملت على استقدام أسلحة متخصصة بالتصدي لأسلحة قصيرة المدى، وأخرى مخصصة لإسقاط الطائرات المسيرة، من بين هذه الأسلحة، أنظمة "افيجنر وثاد وهيمارس". ورغم تأكيد نصب هذه الأنظمة الدفاعية في مختلف القواعد الأميركية إلا أن المقاومة أثبتت تفوقاً على هذه الأسلحة، من خلال نجاحها بالوصول إلى القواعد الأميركية واستهدافها بشكل مباشر، حتى بعد نصب هذه المنظومات، وهو ما يثبت إخراج هذه الأنظمة من المعادلة، بعد تمكن عناصر المقاومة من اختراقها بسهولة، وإرباك القوات الأميركية المتواجدة في المنطقة.

نجاحات المقاومة المتتالية بعمليات الاستهداف، وفشل الولايات المتحدة بوضع حدٍ للهجمات من خلال التعزيزات الدفاعية، دفعها للجوء إلى تنفيذ اعتداءات جوية على القوات الرديفة للجيش السوري، لثلاث مرات خلال نحو أسبوعين، في محاولة لردع المقاومة ومنعها من تكرار هجماتها.

لكن، هذه الاعتداءات أخذت مفعولاً عكسياً، من خلال مضاعفة المقاومة لعدة مرات الهجمات بعد كل اعتداء، وهو ما أثبت حتى الآن قدرتها على مواصلة الهجمات، بعيداً عن كل الإجراءات الأميركية لضمان سلامة قواتها في سوريا.

مستقبل عمليات المقاومة

وفقاً للمعطيات الميدانية وتسلسل الأحداث في حالات استهدافات المقاومة، فإن هذه المعطيات تدل على أن المقاومة مستمرة في تصعيدها، مع العمل على تطويرها إلى مرحلة الاستهدافات الأرضية لتحركات الأميركية عبر الألغام والعبوات الناسفة لحين تحقيق هدفها في دفع الأميركيين بالانسحاب الكامل من المناطق التي يحتلونها.

كما أن استراتيجية الولايات المتحدة في محاولات إنهاء أو الحد من هذا النشاط الميداني الفاعل للمقاومة ضدها، فشلت، وذلك بسبب قدرة المقاومة على اختراق كل أنظمة الدفاع، وإصرار المقاومين على الثبات وتصعيد المقاومة حتى تحقيق أهدافها.

الأكثر قراءة

صرخة معلولا: أيّها الأسد أنقذنا