اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


هوذا السيد المسيح، وقد وصفه باولو بازوليني، لدى تقديم فيلمه "الانجيل بحسب متى"،

بـ "الاعصار الحافي القدمين" الذي حطم أوثان الأزمنة، وأحلّ محله الله الذي هو اله المعذبين، وإله الفقراء، وإله الضحايا في هذه الأرض...

تلك الراهبة التي، بكلامها عن الضحايا والى حد البكاء، دخلت في المسيح الذي طرد الفريسيين من الهيكل. وها هم يعودون اليه بأقدامهم وبرؤوسهم الملطخة بالدماء وبالوحول، كدليل على موت العالم، وعلى التعفّن، أو على الصدأ الذي يضرب عظامنا. لهذا قالوا عن ثقافتها التي هي ثقافة الله في الانسان، وثقافة الانسان في الله، انها "بعيدة عن ثقافتنا".

أجل، أجل، بتعاطفكِ مع آلام الجنوبيين، ومع آلام الفلسطينيين التي هي آلام البشرية كلها، رفضت أن يبيع يهوذا المسيح مرة أخرى، على شاكلة أولئك الذين باعوا أرواحهم للشيطان، وباتوا ورثة الشيطان.

لأنكِ الصوت، صوت السيد في وجه يهوذا. كم يهوذا في هذا العالم، وكم يهوذا في هذا اللبنان الذي رأى فيه يوحنا بولس الثاني المكان المقدس، الذي يتقاطع فيه القلب مع القلب ويتقاطع فيه العقل مع العقل، وتتقاطع فيه الكلمة مع الكلمة، لا الأدغال (السياسية والطائفية) التي مثلما تفتح أبواب الدم، تفتح أبواب النار. لنتذكر أن لامارتين رأى في بلدنا "أريكة الله" !

كلنا نعلم، وأنتِ التي لم تكترثي بذلك العقاب الذي يرفعكِ الى الأعالي، أين هي دقات قلبكِ الآن. لكنه زمن الوثنيات الكبرى، والهرطقات الكبرى، وقد تغافلنا عن دعوة الكاهن والفيلسوف تيار دو شاردان بأن نكون بشراً، بشراً أسوياء، ونغتسل بآلام بعضنا البعض.

هو الذي لاحظ أن من بنوا تلك الأسوار بين الأمم وبين الحضارات، انما يعودون بالخطيئة الأصلية الى ما كانت عليه قبل أن يفتدي البشرية من قضى على الصليب، داعياً السيد الى القيامة الأخرى، خوفاً على البشرية أياها من "هذا الجحيم الذي أراه، وضوضاء الدم تستشري في كل مكان، الجحيم الأبدي".

خطيئة الراهبة مايا زيادة أنها كانت "راهبة أكثر مما ينبغي"، "انسانة أكثر مما ينبغي"، في ذلك الزمن الذي لم نعد نعرف فيه اذا كنا قد اصبحنا ما بعد الانسان أو ما قبل الانسان. ولكن ها أن أجراس الكنائس تقرع لها، حجارة الأديرة تهلل لها، ليتجلى صوت السيد أكثر فأكثر في صوتها وفي بكائها وفي أحزانها.

التي ليست حزينة بسبب طردها من المدرسة (هل نحن أمام المكارثية اللبنانية؟)، بناء على اشارة من اصبع أحدهم ـ اصبع يوضاس ـ وانما بسبب تلك العيون التي تحجرت، وبسبب تلك القلوب التي تحجرت. هي التي بعيني العذراء وبقلب العذراء. التي بنقاء الينابيع، التي بعطاء السنابل. هي هي، الراهبة التي تلقفت بيديها دموع العذراء عند خشبة الوداع...

مثلما وصفهم السيد بـ"أولاد الأفاعي"، صاح بهم يوحنا المعمدان "يا أولاد الأفاعي". ها هم يديرون ظهورهم لمن قال "الله محبة"، ولمن قال "احترسوا من كل ظلم لأن الرب الهك يكره كل من يعمل بالظلم، والسماء والأرض شاهدتان على الظالم". ماذا قالت الأخت مايا غير ما قاله السيد المسيح، وبماذا نطقت عيناها بغير ما نطقت عيناه ؟

لا جور فاق هذا الجور، ولا قهر فاق هذا القهر، ولا قتل فاق هذا القتل. تظاهرات في الحواضر المسيحية الكبرى تنديداً بذبح الآلاف، وباقتلاع الآلاف، وبترحيل الآلاف، وبالتنكيل بالآلاف. لماذا يفترض براهبة من لبنان، وبقرار ممن احترفوا تعليب الرعايا، والتأجيج الغرائزي للرعايا، أن تقفل شفتيها بالشمع الأحمر كي لا تنطق بالحقيقة، وأن تقفل عينيها أيضاً بالشمع الأحمر، كي لا تذرف الدمع على "أولئك الذين لا يشبهوننا". هل ثمة من همجية (كخروج عن المسيحية) أكثر من هذه الهمجية؟

ترانا نسينا أن المسيح ولد في فلسطين. وقع قدميه لا يزال على أرضها؟ وهل ترانا نسينا أن من يسقطون في الجنوب وغير الجنوب أهلنا؟ ومتى كان للمسيحي، وقد أقام هذه الدولة لتكون مثالاً للتنوع وللتفاعل، أن يبني جداراً بينه وبين الآخر. ثقافة الغيتو، وهي ثقافة رفض الآخر وكراهية الآخر، لم تكن ويقتضي ألاّ تكون يوماً بالثقافة المسيحية. كل أبواب المسيحيين، وكل قلوب المسيحيين مشرعة لمن يدق عليها، حاملاً آلامه، وحاملاً أحزانه اليها.

كيف يكون المرء مسيحياً حين لا يهتز لمرأى جثث الأطفال بين ذراعي الآباء وهم ينتحبون، أو على الأرصفة تأكلها الكلاب؟ وكيف يكون المرء مسيحياً حين لا يغتسل بآلام الآخرين؟

أيتها الأخت العزيزة... اللبنانيون بقلوبهم وبايديهم التي تبتهل للسماء، يعلنون تطويبك قديسة لبنان، وقديسة فلسطين، وقديسة العرب، بل قديسة لكل البشرية التي باتت بحاجة الى ذلك "الاعصار الحافي القدمين" يزعزع كل أوثان القرن، مثلما زعزع من 2000 عام أوثان التاريخ.

اليوم قديستنا: مايا زيادة. الاجراس تقرع لكِ...

الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»