اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


لا يمكن لفرنسا رينيه ديكارت وفيكتور هوغو وألبير كامو وأندريه مالرو، أو فرنسا شارل ديغول وفرنسوا ميتران، أن تكون فرنسا ايمانويل ماكرون.

فرانز ـ أوليفيه جيسبرغ كتب في الـ "لوبوان" (عدد 8 شباط) ان "أمركة فرنسا في ذروتها الآن". - وكنا قد كتبنا لا يليق بفرنسا أن تكون قهرمانة أميركية ـ "واذا كان الرئيس الأميركي يغدو "بطة عرجاء" في السنة الأخيرة من الولاية، فان البعد الدرامي في شخصية رئيسنا اصابته بـ "متلازمة البطة العرجاء" (Le syndrome du canard boiteux)، حتى اذا عيّن جاك آتال رئيساً للحكومة، انطبق عليه قول الدوق سان سيمون في مذكراته في لويس الرابع عشر "لم يكن يكترث لأصحاب العقول والمواهب، ولا يرفع من شأن وزرائه وجنرالاته".

من يدخل الى الاليزيه، يفترض أن يعي بما تقوله الجدران وما تقوله المرايا. هذا مكان للرجال الذين يصنعون التاريخ، لا للرجال الذين يغرقون بين "أرجل الضفادع (طبق فرنسي شهير). قال جورج كليمنصو...

عشية الحرب في أوكرانيا، قال الرئيس الفرنسي لـ "الايكونوميست" ان حلف الأطلسي سقط بالسكتة الدماغية، داعياً الى انشاء قوة أوروبية مستقلة، أي لا تخضع لقيادة الولايات المتحدة، حتى اذا اندلعت الحرب أخطأ بين أن يضع على رأسه قبعة نابليون بونابرت أم قبعة الكاوبوي، دون أن يهزه ما فعله جو بايدن ببلاده، حين أمر أوستراليا بالغاء صفقة الغواصات النووية معها، وكانت صفقة القرن، للاستعاضة عنها بغواصات أميركية، ليذهب في اهانة فرنسا حد استبعادها عن حلف "أوكوس" مع كل من بريطانيا واوستراليا بذريعة حماية الباسيفيك.

وحين زار ماكرون بكين، أوحت تصريحاته بـ "الزواج الاستراتيجي" مع شي جين بينغ، ليثير ذهول البريطانيين الذين راحوا يسخرون من "رقصة التانغو مع التنين"، كون كوغلين كتب في "التلغراف" عن انبطاح الرئيس الفرنسي أمام نظيره الصيني. قال انها لحظة الاذلال...

الأميركيون لم يجاروه في تصريحاته العشوائية أو الدونكيشوتية حول أوكرانيا. اذا أوحى بالاتجاه الى ارسال قوات أطلسية الى هناك، ما قد يفضي الى انفجار حرب عالمية ثالثة، سارع البيت الأبيض الى التأكيد على أن بلاده لا تزمع القيام بأي خطوة من هذا القبيل.

السياسات الدونكيشوتية لم تتوقف هنا. عقب لقائه منذ أيام مع المستشار أولاف شولتس، قال لصحيفة "لوباريزيان "ان "عمليات برية (لماذا برية فقط؟) من جانب الغربيين قد تكون ضرورية في مرحلة ما، وأنا لا أريد ذلك، ولا آخذ زمام المبادرة"، ليضيف "ينبغي أن تكون هناك عمليات على الأرض أياً يكن شكلها لمواجهة القوات الروسية".

مضى الى أبعد من ذلك باشارته الى "الاختلاف في الثقافات الاستراتيجية بين البلدين (هل من خلاف بين رينيه ديكارت حول قوة الوعي وايمانويل كانط حول الضرورة الأخلاقية؟). ألمانيا لديها ثقافة استراتيجية تتّسم بالحذر الشديد، وهي تبقى عل مسافة من السلاح النووي. وهذا نموذج مختلف تماماً عن نموذج فرنسا المجهزة بذلك السلاح، والتي حافظت على جيش محترف وعملت على تعزيزه". هل من يفسر لنا هذا الكلام سوى بالتلويح بالصدام النووي...؟

اذا كان ماكرون يمتلك تلك القوة لتهديد روسيا بالترسانة النووية، لماذا تخلى عن مناجم اليورانيوم في النيجر، ولم يواجه تلك الثلة من الانقلابيين الذين حاصروا جنوده، ولم يدعهم للعودة الى بلادهم الا بتفكيك المصالح الفرنسية؟ جان ـ لوك ميلانشون قال "عارنا هتاك".

لدى حصول عملية طوفان الأقصى، تناسى كلياً المواقف النبيلة لديغول وميتران وغيرهما من القيادات الفرنسية، بالتفاعل مع التراجيديا الفلسطينية، ليتماهى في وصفه للعملية مع توصيفات ذلك الائتلاف الجهنمي في "تل أبيب". لا بل أنه تناسى أن المواثيق الخاصة، وحتى المفاهيم الخاصة، بحقوق الانسان انبثقت من القيم التي أتت بها الثورة الفرنسية.

رجل مثل شارل ديغول يستطيع القول "أنا فرنسا وفرنسا أنا". فرنسا التي ترفع الصوت في وجه أميركا، لا فرنسا التي تتسكع على باب البيت الأبيض.

أيها السيد ماكرون، أمركة فرنسا خيانة فرنسا. الاليزيه يحتاج، وأكثر من أي وقت مضى، الى القامات العالية!!

الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»