اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

منعاً لاستشراء "ايديولوجيا الكراهية"، ودفاعاً عن عبقرية التفاعل في لبنان، بعدما بات الخطر الداخلي أشد هولاً بكثير من الخطر الخارجي، نقول لهذا الحزب وذاك، ولكل ببغاءات ـ وغربان الشاشات- (لاحظوا المقابلات الدورية مع ديفيد شينكر بتكشيرة يهوذا)، ان حزب الله لم ينبش قبر أحد من طائفة أخرى، ويعلق هيكله العظمي على غصن شجرة. هذا ليس مشهداً من أحد أفلام ألفرد هيتشكوك، بل رأيته أمامي عند بزوغ ذات صباح، لأفاجأ بشاب يقول لي مفاخراً "لقد نبشنا قبورهم"!

كما أن الحزب لم يقطع بالفؤوس رأس أحد، ويتباهى بأنه "يوم الخلاص من تلك الحثالة"، كما لم يعرض جماجم خصومه على عربة الخضر، ويجول بها في الأحياء "مين بيشتري جماجم"؟ ثمة ميليشيات لبنانية وفلسطينية ارتكبت ابان الحرب الأهلية، فظاعات لم تخطر في بال الشيطان، ودائماً تحت الشعارات ـ والشعائر ـ الدينية. هل فعل حزب الله شيئاً من هذا حتى في تعامله مع عناصر ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي"، الذين مارسوا الأهوال لمصلحة الاحتلال الاسرائيلي، اذا استعدنا ما فعله الفرنسيون، وهم ورثة روسو وفولتير ومونتسكيو، بأولئك الذين تعاملوا مع الاحتلال النازي؟

قد يكون الحزب أخطأ سياسياً أو عسكرياً، وهو الذي حرر الجنوب بدم أبنائه، حين كان آخرون ينثرون الأزهار على دبابات آرييل شارون. لكنه وحده ومعه أنصاره، من تعرضوا وما زالوا يتعرضون لتلك الآلام الهائلة، دون أي جهة أخرى، لنفاجأ بذلك الطوفان من الحقد السياسي والطائفي ضده. مع علمنا بأن هناك جهات خارجية تدفع في هذا الاتجاه، وعلمنا بمدى شغف بعض قادة الأحزاب برنين الذهب، الذي هو ما أبقاهم على عروشهم، بالأحرى على ظهور الناس الذين يخضعون لعمليات تعليب طائفي وسياسي مدمر للبنان وللبنانيين.

ذاك القطب الحزبي الذي قال "... أمّا وقد رحل بشار الأسد من سوريا، وعادت ايران الى الهضبة الفارسية، لا بد من ازالة كل أثر لها". كيف ؟ بازالة حزب الله وبيئته الحاضنة من الخارطة اللبنانية، باعتبار أن ذلك طريق الخلاص للبلاد. هل هكذا يغتسل الفينيق من الرماد؟ ما من اشارة الى أنه يغتسل بالدم...

من الطبيعي أن تكون هناك خلافات سياسية كما في أي بلد آخر. صراع المصالح أو صراع البرامج لا صراع الغرائز، ولا صراع الشوارع. لكن التأجيج الطائفي يدخل في الخط الفلسفي لبعض أركان المنظومة السياسية، هؤلاء الذين وصلوا بالبلاد الى التسكع والتسول على أبواب القصور وعلى أبواب الصناديق، من أجل البقاء، أو الحد الأدنى من البقاء، دون أن نرى واحداً من رجال المغارة وراء القضبان، كما لو أننا في جمهورية أفلاطون لا في جمهورية بوكاسا، الرئيس الأفريقي الذي كان يأكل الأطفال. هنا لسنا فقط أمام أكلة لحوم البشر فقط، بل اننا أمام أكلة عظام البشر.

لبنان داخل دائرة الخطر. في سوريا هناك قادة فصائل يتوعدون علناً "جايي دوركم يا أولاد"... هذا في الشوارع أو على المنابر. وفي "اسرائيل" لا بد من تدمير أي قوة تحول دون وضع اليد على الدولة في لبنان. في الداخل ماذا تعني تلك التصريحات النارية وعلى مدار الساعة، ضد حزب الله، سوى اعداد السكاكين (أو السواطير كما لاحظنا في التظاهرات الأخيرة)، بانتظار اللحظة الاسرائيلية أو اللحظة السورية، كما لو أنه ليس الانتحار على رؤوس الحراب.

في هذه الحال، هل يفترض بأكثر من مليون لبناني أن يضعوا رؤوسهم بتصرف هذا الجلاد أو ذاك ؟ حزب الله قال كلمته "قرار الحرب والسلم بيد الدولة". لم يقل إن قرار الاستسلام في يد الدولة، وهذا في يقيننا موقف الرئيس جوزف عون السلم لا الاستسلام، وهو الخارج من المؤسسة العسكرية، وحيث الدراية الكاملة بما تخطط له تلك الثلة من الذئاب، التي طالما هددت باعادة بناء الهيكل بعظام، لا بأخشاب اللبنانيين.

اذا كيف للبنان أن يقدم كل شيء على طاولة المفاوضات، ولا تقدم "اسرائيل" أي شيء، ودون أي اعتبار لا للمواثيق ولا للقرارات الدولية؟

الجيش اللبناني قام بما يفترض أن يقوم به، ودون أن تتوقف "اسرائيل" يوماً عن سياسة القتل والتدمير، مع اقتناعنا بأن ما في رؤوس أركان الائتلاف في "اسرائيل" يتخطى بكثير نزع سلاح حزب الله، الى ما يتعلق بالمسار التاريخي والمسار الاستراتيجي للدولة اللبنانية، وبأن موقف المقاومة هو الذي جعل توم براك، كمبعوث شخصي لدونالد ترامب، يقول أن لا مجال لنزع السلاح بالقوة. لكن اللافت هنا ما يتردد في المحافل السورية، من أن الموقف اللبناني أثر في موقف دمشق التي كانت في ذروة اندفاعها لتوقيع اتفاق أمني مع "تل أبيب"، اضافة الى اتفاقات أخرى، كما قال الرئيس أحمد الشرع.

مثلما لا بيروت في قبضة نتنياهو، لا دمشق في قبضة نتنياهو. أليس من الأفضل هنا للسلطة في سوريا، مع اداركنا كيف تدار ومن يتولى ادارتها، أن تكون حتى في خندق ديبلوماسي واحد مع لبنان، ولا تسقط في تلك الجاذبية القديمة بوضع اليد عليه، بحجة المساعدة على نزع سلاح حزب الله، الذي عندما يحمي لبنان يحمي سوريا أيضاً....

ما يقال في الضوء أو في الظل يظهر عدم صحة القول إن لبنان يذهب الى المفاوضات خاوي الوفاض، اذا لاحظنا ما يصدر عن براك وغير براك. انه منطق الأشياء وانها قوة الأشياء...

الأكثر قراءة

«اسرائيل» تتعمّد الاطاحة بالاتفاق الأميركي-الإيراني ترامب غاضب... ويدعو تل أبيب لوقف شن الهجمات على الضاحية