اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تتعرض النظم البيئية في لبنان اليوم لما يمكن وصفه بأخطر أزمة وجودية في التاريخ الحديث، حيث تجاوزت الاعتداءات المستمرة حدود الدمار العسكري التقليدي لتتحول إلى "إبادة بيئية" ممنهجة تهدف إلى تقويض مقومات الحياة الأساسية. إن ما يشهده لبنان حالياً ليس مجرد انفجارات عابرة، بل هو استكمال وتصعيد لمسلسل التدمير الذي بدأ في عام 2024، حيث باتت الطبيعة اللبنانية، بجبالها وأوديتها وتربتها، في مرمى نيران لا ترحم. هذه العمليات لا تفرق بين هدف عسكري ومعلم طبيعي، بل تمتد لتشمل تدميراً واسع النطاق للمنازل والبنى التحتية الحيوية، في محاولة واضحة لإحداث تغيير جذري ودائم في الطابع البيئي والجغرافي للمنطقة، مما يضع البلاد أمام كارثة بيئية عابرة للأجيال.

محرقة الغطاء النباتي وسلب الرئة الخضراء

تتصدر سياسة "الأرض المحروقة" المشهد الميداني، حيث تم استخدام القنابل الفسفورية والحارقة بشكل متعمد وواسع النطاق لإحداث حرائق يصعب السيطرة عليها. وتكشف الأرقام الميدانية الموثقة عن حجم الكارثة التي حلت بالثروة الحرجية والزراعية؛ ففي عدوان عام 2024 وحده، أُحرقت مساحات شاسعة تجاوزت 8700 هكتار من الأراضي، وهي مساحات كانت تشكل رئة طبيعية ومصدراً لرزق آلاف العائلات. ولم يتوقف هذا النزيف الأخضر حتى في فترات الهدوء الهش، إذ سُجل احتراق 160 هكتاراً إضافياً خلال فترة وقف إطلاق النار في عام 2025. ومع دخول عام 2026، بلغت القسوة ذروتها بتسجيل احتراق أكثر من 270 هكتاراً خلال شهر واحد فقط، مما يعكس إصراراً على تحويل لبنان الأخضر إلى أرض قاحلة يلفها السواد.

التسمم الكيميائي ومعضلة التربة الملوثة

خلف الدخان والنيران، يقبع خطر صامت وأكثر فتكاً يتمثل في التلوث الكيميائي الحاد الذي طال التربة اللبنانية. لقد أثبتت التحاليل المخبرية والبيانات الميدانية أن استخدام الذخائر المحرمة دولياً، وعلى رأسها الفسفور الأبيض، أدى إلى تسمم التربة في مناطق شاسعة، مما يجعلها غير صالحة للزراعة لسنوات طويلة القادمة. هذا التسمم لا يهدد الإنتاج الزراعي فحسب، بل يمتد خطره ليصل إلى السلسلة الغذائية والمياه الجوفية، مما ينذر بأزمات صحية طويلة الأمد. إن استهداف التربة هو في جوهره استهداف للقدرة على البقاء والاستمرار فوق هذه الأرض، حيث تتسرب المواد الكيميائية السامة إلى أعماق الأرض، مسببة خللاً في التوازن البيولوجي الدقيق الذي ميز الطبيعة اللبنانية لقرون.

الإبادة الحضارية وتدمير الهوية المكانية

هذا ولا ينفصل التدمير البيئي عن محاولات محو الهوية الحضارية للبنان، إذ يشهد العالم اليوم ما يمكن تسميته "إبادة حضارية" تترافق مع الإبادة البيئية. إن عمليات تجريف المنازل وتفخيخها وتفجيرها بشكل جماعي، واستهداف دور العبادة من مساجد وكنائس، بالإضافة إلى المواقع الأثرية الضاربة في القدم، تهدف إلى قطع الصلة بين الإنسان وأرضه. هذا الدمار لا يترك خلفه ركاماً فحسب، بل يخلق أزمات بيئية ناتجة عن تراكم كميات هائلة من الردميات الملوثة بمخلفات المتفجرات، والتي تصبح بحد ذاتها مصدراً جديداً للتلوث البيئي والبصري، وتعيق أي محاولات سريعة لإعادة الحياة إلى القرى والبلدات المدمرة.

كما طال العدوان بشكل مباشر المنشآت الحيوية التي تضمن السلامة البيئية للسكان، حيث تعرضت شبكات الصرف الصحي ومعامل معالجة النفايات لدمار جسيم. هذا الاستهداف الممنهج أدى إلى توقف العمليات الحيوية للتخلص من الملوثات، مما تسبب في تدفق المياه العادمة إلى الأراضي الزراعية والمجاري المائية، وتراكم النفايات الصلبة دون معالجة علمية. إن انهيار هذه المنظومة الخدماتية يضع البلاد على حافة كارثة وبائية، ويزيد من تعقيد المشهد البيئي، حيث تتحول الخدمات التي كانت تهدف لحماية الطبيعة إلى أدوات تزيد من حدة التلوث نتيجة خروجها عن الخدمة وتعرضها للقصف المباشر.

التداعيات المناخية وتسارع فقدان التوازن البيئي

ولا تقف آثار هذه الكارثة عند حدود الدمار المباشر، بل تمتد لتفاقم التحديات المناخية التي يعاني منها لبنان أصلًا. ففقدان الغطاء النباتي بهذا الحجم يضعف قدرة الأراضي على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، ما يساهم في تسريع وتيرة التغير المناخي محليًا. كما يؤدي تدمير الغابات إلى اختلال في دورة المياه، حيث تتراجع قدرة التربة على الاحتفاظ بالأمطار، مما يزيد من مخاطر الفيضانات شتاءً والجفاف صيفًا. وإلى جانب ذلك، يساهم احتراق آلاف الهكتارات في إطلاق كميات كبيرة من الغازات الدفيئة، ما يعمّق البصمة الكربونية للبلاد بشكل غير مسبوق. في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يحدث عن أزمة مناخية أوسع، إذ تتحول الاعتداءات إلى عامل مضاعف يسرّع انهيار الأنظمة البيئية ويضع لبنان في مواجهة مباشرة مع تداعيات بيئية طويلة الأمد قد تتجاوز قدرته على التعافي الذاتي.

أمام هذا الواقع المأساوي، يصبح من الضروري والمصيري أن يكون "التعافي البيئي" ركيزة أساسية وجزءاً لا يتجزأ من أي خطة وطنية للتعافي الشامل في المرحلة المقبلة. إن استصلاح الأراضي الملوثة، وإعادة تشجير الهكتارات المحروقة، وإصلاح البنى التحتية لمعالجة المياه والنفايات، ليست مجرد إجراءات تكميلية، بل هي شروط أساسية لعودة الحياة الكريمة والآمنة للمواطنين. إن حجم الكارثة البيئية التي يشهدها لبنان اليوم يتطلب تكاتفاً دولياً وتقنيات متطورة لمواجهة آثار التلوث الكيميائي واستعادة التوازن الطبيعي، لضمان ألا تظل هذه الإبادة البيئية جرحاً ينزف في جسد الوطن والأجيال القادمة.

الأكثر قراءة

واشنطن تفاوض بالعقوبات... و«إسرائيل»تصعّد ميدانياً رفض مُخابرات عربيّة ودوليّة الإفراج عن موقوفين إسلاميين