اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

وافقت الحكومة الفنزويلية، على إجراء فرق عسكرية أميركية مناورات جوية في سماء العاصمة كاراكاس اليوم السبت، في استمرار للتعاون غير المسبوق للحكومة الجديدة مع واشنطن.

وأثارت هذه المناورات، غضب "الحركة التشافيزية" في فنزويلا، الذين اعتبروا الأمر فصلا جديدا من "سلسلة تنازلات" الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز.

الطريقة الفيتنامية

ومن المقرر تنفيذ تدريب على إجلاء جوي من السفارة الأميركية في كاراكاس، يتضمن تحليقاً مراقباً للطائرات فوق العاصمة، ومناورات هبوط قرب السفارة، في محاكاة لمشهد مغادرة القوات الأميركية لفيتنام عام 1973.

ونشرت وزارة الخارجية الفنزويلية بيان الموافقة مرفقاً بفيديو يتضمن إعلان الحكومة الموافقة على العمليات الجوية، غير أن موجة الغضب والتنديد التي رافقت هذا الإعلان عجّلت بحذفه من جميع منصات الوزارة الرسمية.

وأعربت شخصيات بارزة في ما بات يعرف بـ"الحركة التشافيزية" عن رفضها الشديد لهذه العملية، متسائلة عن الأسباب التي تدفع الحكومة المؤقتة ورئيستها إلى قبول هذه العمليات العسكرية الجوية الأميركية في سماء وأرض فنزويلا.

موجة تنديد بالموافقة الحكومية

وفي تدوينة على منصة "إكس"، قالت الوزيرة السابقة ماري بيلي هيرنانديز إن "هذه العمليات العسكرية تمثل سابقة، إذ لم تجرؤ أي حكومة على السماح بتحليق طائرات عسكرية أميركية فوق أراضينا"، متسائلة عما إذا كانت الخطوة التالية ستكون السماح بإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في البلاد.

كما أعرب قادة سياسيون وناشطون ومؤثرون رقميون يمثلون الجناح المتشدد في "الحركة التشافيزية"، من بينهم إلياس كابيزا، عن استيائهم الشديد من هذا القرار، منتقدين التوجه السياسي العام للبلاد.

واعتبروا أن "مثل هذه القرارات تتعارض مع إرث هوغو تشافيز، وأنه لا يمكن بأي حال الإبقاء على الصلة بين هذه الحكومة والعناوين الفكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية للإرث التشافيزي".

من جهته، رفض الخبير الاقتصادي توني بوزا هذه المحاكاة، وأطلق حملة لجمع التوقيعات ضد التفويض الذي منحته الحكومة المؤقتة للسفارة الأميركية.

غضب عابر للحساسيات الأيديولوجية

ويؤكد خبراء متابعون للشأن الفنزويلي أن هذا التذمر ليس وليد القرار الأخير، وإن كان يمثل أعلى درجات استفزاز المشاعر التشافيزية والمادورية، بل هو نتاج تراكمات سياسية بدأت منذ الثالث من كانون الثاني 2026، تاريخ اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وحتى اليوم.

ويشير المراقبون إلى أن "التنازلات التي تبديها حكومة ديلسي رودريغيز لصالح واشنطن، بشكل متواصل ومن دون أي مقاومة تُذكر، بدأت تثير غضب الجناح المتشدد في المنظومة السياسية التشافيزية، لا سيما أن هذه التنازلات تمس في الصميم الإرث التشافيزي".

إذ طالت ملفات حيوية ذات طابع رمزي، مثل النفط والطاقة عموماً والثروات التعدينية، وهي ملفات بنت عليها السردية التشافيزية جزءاً كبيراً من شرعيتها، من خلال تأميمها وإعادة عائداتها إلى خزينة الدولة.

ويضاف إلى ذلك التغيير الواضح في سلوك الحكومة الفنزويلية على مستوى التزامها بـ"التضامن اللاتيني" مع كوبا ونيكاراغوا والمكسيك وغيرها من البلدان الواقعة تحت وطأة الغضب الأميركي.

لا تحسن في مستوى المعيشة

ويرى خبراء في الشأن اللاتيني أن الغضب الشعبي الفنزويلي لا يرتبط فقط بمدى الالتزام بالخط التشافيزي، بل أيضاً بعدم شعور المواطن الفنزويلي بتحسن اقتصادي أو تسجيل تطور ملموس في الأداء الاقتصادي بشكل عام.

ويضيف المتابعون: "تكمن المشكلة الأساسية في أن المواطنين يرون تنازلات مستمرة للإدارة الأمريكية، مقابل استمرار تدهور الخدمات الأساسية والأوضاع الاقتصادية في البلاد، فالجريمة لا تزال منتشرة، والفقر ما زال مستفحلاً، وانقطاع التيار الكهربائي مستمر لساعات طويلة".

وبحسب قراءة المراقبين للواقع الفنزويلي، فإن حكومة ديلسي رودريغيز تواجه مأزقاً استراتيجياً حقيقياً قد يعصف بمصيرها، ولن تجد له مخرجاً سوى الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة.

فمن جهة، تتعرض الحكومة لابتزاز سياسي من الإدارة الأميركية ولا تملك ترف رفضه، ومن جهة ثانية تتصاعد المطالب الشعبية ولا تملك القدرة على الاستجابة لها، ومن جهة ثالثة يزداد غضب "الصقور التشافيزيين" ولا تستطيع تخفيف حالة التذمر المتنامية بينهم.

وفي المحصلة، تواجه حكومة ديلسي رودريغيز ما يشبه "عدواً ثلاثياً" قد يسرّع سقوطها، فيما تتآكل شرعيتها بشكل متواصل ومتزايد، بينما تبدو زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو الرابح الأكبر من الصراعات المشتعلة داخل "البيت التشافيزي المتصدع".