اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

عاشت مدينة جالاتي الرومانية حالة من التوتر ليل الجمعة، بعدما تلقّى السكان رسائل تحذيرية على هواتفهم، تزامناً مع رصد طائرة مسيّرة وسماع دويّ محرّكها في أجواء المدينة.

وبعد لحظات، اشتعلت النيران في سطح عمارة سكنية من عشرة طوابق، حيث أُصيب مراهق في الرابعة عشرة من عمره وأمه بجروح خفيفة، وجرى إخلاء سبعين ساكناً.

وبما أن المسيّرة روسية من طراز "جيران-2"، ورومانيا عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو"، فقد كشفت الحادثة عن ثغرات حقيقية في منظومة الدفاع الأوروبي ضد المسيّرات.

وتوثّق صحيفة "لوموند" الأرقام، فمنذ 2023 حين بدأت روسيا بضرب الموانئ الأوكرانية على نهر الدانوب قرب الحدود، سُجّلت 28 حالة اختراق للأجواء الرومانية، منها 15 في العام 2026 وحده.

وفي الخامس والعشرين من نيسان الماضي، سقطت مسيّرة مفخّخة على ورشة عمل في جالاتي دون أن تنفجر، ما أدى إلى إخلاء أكثر من مئتي شخص، لكن حادثة الجمعة كانت المرة الأولى التي تصطدم فيها مسيّرة روسية بمبنى سكني وتُصيب مدنيين رومانيين مباشرة.

ويُبيّن الجنرال جيورجيه ماكسيم، نائب قائد القوات المشتركة الرومانية للصحيفة سبب عدم إسقاط المسيّرة رغم أن طائرتَي "إف-16" أقلعتا خلال دقائق قائلا: "المهلة المتاحة كانت 4 دقائق فحسب، وهي مهلة قصيرة جداً لأسباب تشغيلية وقيود قانونية".

أما بالنسبة للقيد القانوني فهو محدد بدقة، فرومانيا لا تستطيع إطلاق النار في الأجواء الأوكرانية، الدولة المجاورة المتاخمة لها.

أما الرئيس الروماني نيكوشور دان فأضاف عاملاً آخر: "الشروط اللازمة لإسقاط الطائرة المسيرة كانت ستعرّض أمن المدنيين لخطر جسيم".


حلف "الناتو" غير مستعد

لا تتردد مصادر عسكرية فرنسية في قول ما لا يُقال عادةً في التصريحات الرسمية: "الناتو غير مستعد أبداً" لمواجهة تهديد المسيّرات.

وتُفسّر "لوفيغارو" المشكلة التقنية بأن منظومات الرادار الأطلسية صُمّمت لرصد تهديدات كبيرة كالصواريخ، أما المسيّرات فتطير منخفضة وتستغل التضاريس وتسلك مسارات عشوائية، كما أن انعكاسها الراداري قد يتشابه مع انعكاس الطيور.

ويزيد الأمر تعقيداً أن "لوموند" تنقل عن مصدر بالحلف أن برامج المسيّرات الروسية عُدّلت أربع إلى خمس مرات منذ أيلول 2025؛ ما يعني أن الحلف "يجري دائماً خلف التهديد".

لكن الرد السياسي كان سريعاً، فقد استدعى الرئيس دان مجلس الدفاع الوطني الأعلى، وأعلن طرد القنصل العام الروسي في مدينة كونستانتسا الساحلية وإغلاق القنصلية، فيما ردّت موسكو بالتهديد باتخاذ "إجراءات مضادة فورية". 

دولياً، تصاعدت اللغة الدبلوماسية درجة، حيث أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته أن "الناتو مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضي الحلفاء"، فيما قال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو لـ"لو باريزيان": "إذا تعرّض أمن دولة من دول الناتو للخطر، فالرد سيكون مدمراً". 

وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن "الدفعة الحادية والعشرين من العقوبات ضد روسيا قيد الإعداد".

وتُركّز "لوموند" على التحدي الجوهري الذي يواجه الناتو: كيف تُسقط مسيّرة تساوي بضعة آلاف يورو بتكلفة معقولة دون استخدام صواريخ مضادة للطائرات تساوي ملايين؟

في نيسان الماضي، أجرى الناتو اختبارات ميدانية في مدينة "كابو ميديا" الرومانية ضمن مهمة "سينتينيل الشرقية"، اختُبر خلالها أكثر من 215 نظاماً مضاداً للمسيّرات من نحو عشرين شركة على مدى خمسة عشر يوماً. 

المشكلة التي رصدها مسؤول في الحلف ليست في وجود التقنيات، بل في تعاملها معاً بفاعلية في ظروف حقيقية.

أما الإستراتيجية الروسية وراء هذه الحوادث المتكررة فتختصرها "لوفيغارو" بالقول: موسكو تُعوّد الأوروبيين على سقوط مسيّرات بشكل متكرر، حتى إذا قررت يوماً استهداف هدف حقيقي في دولة أطلسية كرومانيا أو بولندا أو دول البلطيق مثلاً، فبإمكانها القول إنه "خطأ في الملاحة" أو "انحراف غير مقصود" كما قالت كل مرة قبله.

والمعضلة الأوروبية باتت واضحة أيضاً: دول كفرنسا وألمانيا وبولندا ورومانيا تضخّ مليارات في إعادة التسليح، لكن المسيّرة الرخيصة التي تساوي بضعة آلاف من الدولارات تبقى أصعب في الاعتراض من صاروخ بالستي يساوي ملايين؛ لأنها صغيرة وتطير منخفضة وتتغير برامجها باستمرار. ولهذا يبقى الجميع خلف التهديد، لا أمامه.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

جنيف تظلل مفاوضات واشنطن...هل يستفيد لبنان؟ «فيتوات» عدة... ورهان على بدء الانسحاب التدريجي!