اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

من نصح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن يكرر تجربة ريتشارد نيكسون للعام 1972 بإغراق فيتنام الشمالية بالقنابل المدمرة لإعادتها إلى طاولة المفاوضات؟ حاليا دونالد ترامب يأخذ "مثال نيكسون" إزاء ايران من حسابات أن الضغوط العسكرية وقصف الجسور والبنى التحتية واستهداف المحطات النووية والمرافئ البحرية والجزر تنتهي بالمطاف إلى جلب ايران إلى التفاوض من موقع ضعيف.

حسابات نيكسون في فيتنام انتهت بعودة مبكرة إلى الولايات المتحدة للقوات العسكرية بسبب العدد الهائل لتوابيت الضباط والجنود ولأن الفيتناميين حوّلوا بلدهم إلى مستنقع للقوات الأميركية وإلى "فخ لاصطيادهم". كما إلى معارضة أميركية داخلية واسعة لسياسات نيكسون. علما بأن الفارق بين تجربة نيكسون ودونالد ترامب أن الأول كانت تسانده فيتنام الجنوبية وحضور عسكري أميركي واسع على الأرض. وهذه ليست حال ترامب في ايران. أما القاسم المشترك بين الاثنين فهو المعارضة الأميركية الواسعة لظاهرة الحرب في الخارج وللدفع بقوات عسكرية برية أميركية للمشاركة في الحرب. ومعنى هذا الأمر أن ايران تحتمل حربا طويلة الأمد. وهذا ما ليس واردا في حسابات الرئيس دونالد ترامب، خصوصا في حال الداخل الايراني المتماسك والتكامل بين البعدين الديني والقومي الذي يوفّره التهديد الخارجي، سيّما أن هناك أولوية للسيادة الايرانية بمعزل عن هوية الأشخاص الذين يقودون البلاد.

لا شك أن مضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمثال نيكسون الفيتنامي من نتائجه المباشرة هو توسيع شبكة المعارضة في الداخل الأميركي لظاهرة التوجه إلى مزيد من التورط العسكري الأميركي في إيران وفي الشرق الأوسط كما إلى تعارضات حادة في فريق الرئيس الأميركي نفسه حيث لا يقف نائب الرئيس جي دي فانس على الحياد ولا الحزب الديموقراطي ولا أهالي الضباط والجنود الأميركيين. والأرجح أن "عاصفة الداخل الأميركي" تفتح المجال أمام إثارة فضائح إبستين في وجه الرئيس ترامب من جديد.

لا شك أن مثال نيكسون الفيتنامي مكلّف في نتائجه المدمرة لكل من الولايات المتحدة وإيران على السواء. وأكثر من ذلك هو مأزق للرئيس دونالد ترامب كما كانت حرب فيتنام مأزقا للرئيس ريتشارد نيكسون. ذلك أن تراجع الرئيس ترامب عن ضغوطه العسكرية المتصاعدة يحتاج إلى مبررات ومخارج غير ممكنة إلا من بوابة جي دي فانس لا من بوابة التطرف الأميركي المسنود من اليمين الديني اليهودي الإسرائيلي. هذا أولا. وثانيا هو ممكن أيضا من بوابة الوسطاء التقليديين مضافا إليهم موسكو وبكين وذلك بحكم التشابك القائم بين أزمة مضيق هرمز والأزمة الأوكرانية وقلق الصين من السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وفي المعابر الدولية وغرب آسيا والمحيط الهندي.

وحقيقة الأمر أن التصعيد العسكري الأميركي في ايران يعيد الربط واقعيا بين المسارين الايراني واللبناني، ما يعيق فرض حلول سريعة من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الجنوب اللبناني وتأمين الانسحاب الاسرائيلي وفق التوقعات الأميركية. ذلك أن المواجهة العسكرية الأميركية مع ايران تمنح هامشا واسعا لنتنياهو في المماطلة وكسب الوقت وتثبيت مواقع عسكرية محصّنة في المنطقتين الصفراء والزرقاء ووضع استعصاءات أمام انتشار الجيش اللبناني، مستفيدا من الانشغال الأميركي بموضوع ايران. والنتيجة المباشرة إلى ذلك هي في "تأجيل" تنفيذ فوري لما تم التوافق عليه مبدئيا بين الرئيسين دونالد ترامب والعماد جوزاف عون. وهذا ما يفسر عمليا الرهان اللبناني على دور ايجابي لواشنطن في لبنان يأخذ في الاعتبار الثوابت اللبنانية. وهذا يعني أيضا أن هناك ترابطا وثيقا بين الضغوط الأميركية العسكرية والضغوط الايرانية المقابلة التي أحدثت خرابا في القواعد العسكرية الأميركية وأضرارا بطائراتها وسفنها الحربية وأكثر من ذلك "تخريب" ما كان يُهيأ له في محافظة السليمانية في اقليم كردستان عبر اشتعال مخازن الأسلحة التي استهدفتها ايران والتي كان يتم تحضيرها وتسليمها للمعارضة الايرانية من مجاهدي خلق والأكراد.

أيا يكن الأمر، الإيذاء متبادل بين واشنطن وطهران ويأخذ أبعادا جديدة في حال كانت هناك حربا طويلة تعيد تجربة فيتنام، إلا إذا نجحت الوساطات وضغوط الداخل الأميركي.

الأكثر قراءة

ضربة إستباقية للجيش جنوباً تُربك "إسرائيل"