لم يعد مستقبل لبنان يُقاس بحجم المساعدات التي قد يتلقّاها من الدول الصديقة، بل بطبيعة الأدوار التي تستعد القوى الإقليمية للعبها في مرحلة إعادة بناء الدولة. فالسعودية وتركيا، وإن اختلفت أدواتهما وأولوياتهما، تبدوان اليوم معنيتين بالمساهمة في استقرار لبنان، كلٌّ وفق رؤيته ومصالحه. وبينما تراهن الرياض على دعم الدولة ومؤسساتها، وإعادة وصل لبنان بعمقه العربي، تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها عبر مشاريع الإعمار والطاقة والتعاون الدفاعي، في إطار رؤيتها الأوسع لشرق المتوسط.
في هذا السياق، تكتسب الجولة الخارجية التي بدأها رئيس الجمهورية جوزاف عون من واشنطن، قبل انتقاله إلى الرياض بدعوة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ثم إلى أنقرة، أهمية كبرى تمتدّ إلى مرحلة ما بعد الحرب. فالزيارتان ستُشكّلان فرصة لبحث طبيعة الدور، الذي يمكن أن تؤديه العاصمتان في المرحلة المقبلة، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الاستثماري وغير ذلك.
في الرياض، على ما تقول مصادر سياسية مطلعة، تبدو الأولوية السعودية واضحة تتمحور حول دعم الدولة اللبنانية، كمدخل لأي انخراط إقتصادي واسع. ويحتلّ أمن الجنوب موقعاً متقدّماً في المقاربة السعودية، وفق المصادر، انطلاقاً من قناعة بأنّ أي انتعاش اقتصادي لن يكون ممكناً، من دون تثبيت الاستقرار على الحدود. ولذلك، تدعم المملكة الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت وقف التصعيد وتعزيز دور الجيش اللبناني، بالتنسيق مع الولايات المتحدة وفرنسا، من دون أن تكون هناك حتى الآن إعلانات رسمية عن مساعدات عسكرية أو صفقات تسليح.
أمّا اقتصادياً، فتسعى الرياض على ما تشير المصادر، إلى تهيئة الظروف لعودة الاستثمارات الخليجية، وتنشيط القطاع السياحي، وتشجيع رجال الأعمال والصناديق الاستثمارية على العودة إلى لبنان، مع ربط أي دعم مالي واسع بتنفيذ الإصلاحات ومحاربة الفساد. وقد تجلّت النيّة الحسنة من خلال فتح السعودية أسواقها أمام الصادرات اللبنانية ابتداءً من شهر حزيران المنصرم، بتوجيه من ولي العهد ببعد توقف دام أكثر من خمس سنوات.
وفي قطاع الطاقة، لا توجد مشاريع سعودية معلنة حتى الساعة في مجالي النفط والغاز، إلّا أنّ الباب بحسب المعلومات، يبقى مفتوحاً أمام استثمارات مستقبلية في الكهرباء والطاقة، إذا استقرت الأوضاع.
على الضفّة الأخرى، تنظر تركيا إلى لبنان بوصفه جزءاً من رؤيتها الاقتصادية والاستراتيجية في شرق المتوسط. ومن المتوقّع أن تبحث زيارة الرئيس عون إلى أنقرة، على ما تلفت المصادر، مساهمة الشركات التركية في إعادة إعمار المناطق المتضرّرة، مستفيدة من الخبرة الكبيرة التي راكمتها شركات المقاولات التركية، في تنفيذ مشاريع في البنية التحتية والمرافئ والطرق والمستشفيات. إلى جانب توسيع التعاون العسكري مع الجيش اللبناني في مجالات التدريب والدعم التقني وصيانة المعدات، وتوسيع التعاون التقني من دون الإعلان عن برامج تسليح جديدة.
ويبرز ملف الطاقة كأحد أهم عناوين الاهتمام التركي، فأنقرة تسعى منذ سنوات إلى ترسيخ موقعها كمركز عبور إقليمي (Energy Hub)، على ما تؤكّد المصادر نفسها، وتروّج لفكرة ربط غاز شرق المتوسط بالشبكة التركية عبر خطوط أنابيب بحرية، ومنها إلى الأسواق الأوروبية. ورغم أنّ هذا التصوّر يشمل نظرياً أي إنتاج لبناني مستقبلي من الغاز، فإنّه لا يزال في إطار الرؤية الاستراتيجية، إذ لم يُعلن حتى الآن عن أي مشروع رسمي أو اتفاق مع لبنان، كما أنّ عمليات الإنتاج التجاري للغاز اللبناني لم تبدأ بعد.
بناء عليه، لا تبدو الرياض وأنقرة في موقع التنافس على لبنان، بقدر ما تعكسان مقاربتين مختلفتين للاستقرار. فالسعودية تُركّز على إعادة بناء الدولة وتحفيز الاقتصاد عبر الإصلاحات، فيما تراهن تركيا على الاستثمار في الإعمار والطاقة والتعاون التقني. وبين هذين المسارين، يملك لبنان فرصة لاستقطاب دعم سياسي واقتصادي يحتاج إليه بشدّة، شرط أن ينجح في استعادة الثقة بمؤسساته، وتحويل هذا الانفتاح الإقليمي إلى مشروع إنقاذ مستدام، لا إلى فرصة عابرة تمليها التحوّلات الجيوسياسية.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:58
مقر القوات المسلحة الايرانية: إذا أقدمت أميركا على استهداف منشآتنا النووية فستصبح مصالحها وحلفاؤها هدفا لهجماتنا.
-
23:52
غارتان للطيران الحربي الإسرائيلي استهدفتا المنطقة الواقعة بين بلدتي المنصوري ومجدل زون في جنوب لبنان.
-
23:27
وزير الحرب الأميركي: حصارنا مستمر والضغط يتصاعد على إيران ويمكننا الاستمرار فيه.
-
23:27
وزير الحرب الأميركي: لا يمكن التخلص من كل زورق إيراني سريع أو كل رشاش على متن زورق سريع أو كل صاروخ كروز.
-
23:26
وزير الحرب الأميركي: روسيا والصين تساعدان بمستويات مختلفة في تمكين إيران من بعض ما تقوم به.
-
23:18
وزير الحرب الأميركي: نفرض حاليا حصارا فعالا على جميع السفن والموانئ الإيرانية، والتقدير الحالي لكلفة حرب إيران هو 37.5 مليار دولار.
