اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أعلنت راهبات الفرنسيسكان (مرسلات مريم) عن « إنهاء خدمتهن التي استمرت لـ 113 عاما في حلب»، وقد جاء الإعلان خلال قداس شكر أقيم في المدينة يوم الأحد الفائت، حيث أوضحت الراهبة رينيه كوسا، رئيسة دير راهبات الفرنسيسكان، إن قرار الإنتقال يأتي «في إطار التزام الرهبنة بإعادة تنظيم عملها وتوزيع كوادرها في سوريا»، وأضافت الراهبة كوسا أن « المهام الرعوية والإجتماعية التي كانت تضطلع بها الراهبات سوف تستمر، إذ سيتولى الرهبان(الساليزيان) الإقامة في الدير، ومتابعة الرسالة الدينية والأنشطة التربوية والإجتماعية»، وبدورها كانت الكنيسة اللاتينية قد وصفت القرار بأنه «تنظيمي داخلي»، وغرضه «إعادة توزيع الراهبات، وتعزيز الحضور في مدينتي الحسكة ودمشق»، نافية الشائعات التي ربطت المغادرة بأسباب سياسية وأمنية.

أدت الرهبنة في حلب دورا بارزا في إدارة مؤسسات تعليمية معروفة، وأبرزها «مدرسة الفرنسيسكان» أو «السيدة مريم» في حي السبيل الحلبي العريق، إضافة إلى نشاطها في دعم الفقراء والأسر المحتاجة، المسيحية منها والإسلامية على حد سواء، ما جعل من حضورها يتجاوز الإطار الكنسي والديني إلى البعدين الإنساني والإجتماعي، وعبر القرن الفائت أضحت «الرهبنة» جزءا من معالم المدينة المألوفة، ومن النادر ألا يعرفها أي من أبناء حلب الذين ترسخت في ذاكرتهم عنها سمات عدة كان لها الأثر الإيجابي في إسناد وتقوية تيار «الإسلام المعتدل» داخل المدينة، وقد يكون صحيحا أن ثمة عوامل عدة كانت قد دفعت باتجاه هذا الفعل الأخير، إلا أن من المؤكد هو أن القيم التي أرستها «الرهبنة» كانت من بين تلك العوامل دون أدنى شك، ولعل من نافل القول أن الوجود المسيحي في حلب ليس طارئا، لكن الطارئ هو تناقصه بشكل مخيف، حيث تشير الأرقام غير الرسمية إلى أن ذلك الوجود كان عند 250 ألف نسمة قبيل العام 2011، لكنه الآن بات عند 20 - 25 ألف نسمة وفقا للإحصائيات عينها، بل ولربما بالغت الأرقام الأخيرة في «تفاؤلها» حيث يشير ناشطون إلى استمرار الهجرة المسبحية من حلب شأنها شأن باقي المدن السورية. ولهجرة المسيحيين من حلب أسباب تتقاطع مع هجرة السوريين بمختلف أطيافهم، وعلى رأسها الأسباب السياسية والإقتصادية ومحاولات احتكار العمل، وعليه فقد انطلق الكثير من السوريين إلى البحث عن فرص أخرى في بلاد أخرى، ولعل من شأن استمرار هذا «النزف» أن يهشم صورة البلاد التي كان المسيحيون من أبرز من رسموا ملامحها، كما كانوا من أوائل من حمل راية «الصحوة العربية»، ويكفي للإشارة إلى ذلك القول أنهم قدموا 6 من نخبهم على مذبح الحرية في ساحتي المرجة بدمشق، والبرج ببيروت، يوم 6 أيار 1916.

من الراجح هنا ألا يكون هناك من سبب مباشر في قرار راهبات الفرنسيسكان مغادرة حلب، كما من الراجح أن القرار لا تقف وراءه ضغوط أو مضايقات، لكن «المناخ العام» المحيط هو الذي بات معيقا للرسالة التي وهبن أنفسهن لها، وهذا المناخ هو الذي دفع نحو تقليص العمل الرعوي في الوقت الذي تنامت فيه الحاجة للعمل ببعديه الإنساني والإجتماعي، فالنسيج الحلبي برمته بات بحاجة إلى عملية «ترميم» قصوى من شأنها أن تعيد له توازنه الذي افتقده شأنه في ذلك شأن نظيره في باقي المدن السورية، ولعل السؤال الآن هو: هل ستكون الراهبات الفرنسيسكان آخر من يغادرن؟ وإذا ما كانت الإجابة: لا، فالدور على من سيكون؟ في بلاد باتت المراسيم الصادر فيها تطول أدق التفاصيل في الحياة الشخصية.


الأكثر قراءة

العـلـم اللبـناني يرفـرف في زوطـر الغربـية شروط أميركية لتحقيق إنسحاب اسرائيلي كامل عون يتصدى لخطة ترامب لإقحام الشرع بمواجهة حزب الله