اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

التصعيد العسكري الأميركي يوازيه تصعيد ايراني مشابه. فما ترمي إليه واشنطن هو استدراج ايران إلى التفاوض. غير أن طهران، ومن تجربتها السابقة في التفاوض، تستنتج أن استجابتها لفكرة التفاوض في ظل التصعيد العسكري هو مؤشر ضعف، وفقا للقراءة الأميركية. وهذا الأمر يدفع خبراء أميركيين وديبلوماسيين متابعين لظاهرة التصعيد المشترك "بأننا دخلنا دوّامة"، بحيث إن الطرفين الأميركي والايراني يحتاجان إلى "دور الوسطاء" وإلى العودة إلى "مذكرة التفاهم" قبل أن تتطوّر الأمور إلى "حرب شاملة" لا يتحكّم أحد بمسارها وما يمكن أن تنتهي إلى تطورات دولية بحكم تشابك الأزمات، وتحديدا أزمة مضيق هرمز التي تحوّلت إلى أزمة خليجية ودولية، وأزمة الحرب الأوكرانية والانعكاسات السلبية على الصين الاقتصادية والنفطية وأسواقها وطريق الحرير.

لا شك أن هناك رغبة مشتركة من واشنطن وطهران بالعودة إلى "مذكرة التفاهم" ومعالجة البنود المختلف عليها بقراءة جديدة من جانب الوسطاء. من هنا العودة حاليا إلى "تبادل الرسائل" عبر الوسيطين الباكستاني والقطري رغم لغة "التصعيد العسكري". وهذه علامة إيجابية. فحتى الآن تريد واشنطن "احتواء الموقف الاسرائيلي" في لبنان ونحو ايران حتى لا يندفع رئيس الحكومة الاسرائيلية نحو المشاركة في الحرب واستدراج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إليها، متجاوزا بذلك اعتراضات الحزب الديموقراطي المعارض وتحفظات نائبه جيدي فانس واتساع رقعة المعارضة في الداخل الأميركي للذهاب إلى حرب خارج الولايات المتحدة الأميركية.

والملاحظ أن ايران رغم حذرها مما تسميه مخاوفها من "الخداع الأميركي"، تترك الباب مفتوحا على الحل الديبلوماسي وتعطي هامشا واسعا للحكومة الايرانية لمعرفة حقيقة النيات الأميركية. وفي هذا السياق يمكن فهم زيارة وزير الداخلية الايراني اسكندر مؤمني إلى باكستان وشرحه للموقف الايراني ولقائه بكبار المسؤولين فيها، وتحديدا بقائد المؤسسة العسكرية الجنرال عاصم منير الذي تربطه علاقات وثيقة بالمؤسسة العسكرية الأميركية وبالرئيس دونالد ترامب نفسه والذي ساهم سابقا بجدية في إنتاج "مذكرة التفاهم" الأميركية-الايرانية. وهذا تفسيره أن "ديبلوماسية الرسائل" حاليا تفتح المجال مجددا أمام احتمال مؤكد لعودة المفاوضات. ومع ذلك تأخذ طهران احتياطاتها من احتمال عملية عسكرية برية أميركية عليها عبر إنزال عسكري في إحدى الجزر المطلّة على المضيق وفي الصحراء أو عبر النوافذ الحدودية الكردية أو غيرها بدفع لمجاهدي خلق والمعارضة الكردية. وهذه الحقيقة هي التي تفسر ضرب مخازن السلاح للمعارضة الايرانية في قاعدة لها في محافظة السليمانية في اقليم كردستان، وهي "مخازن" كان هناك نية لاستعمالها بهدف اختراق الحدود. وفي السياق نفسه يمكن تفسير استهداف القواعد العسكرية الأميركية في دول الجوار حتى لا تكون مرتكزا لحرب برية أميركية.

الهيمنة الجوية الأميركية والهيمنة البحرية عبر الأساطيل، لم تنتج تعديلا على الموقف الايراني ولا فتحت الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا فإن اللجوء إلى الحرب البرّية فيه الكثير من المخاطر. فايران دولة واسعة الجغرافيا وتربطها حدود بالكثير من الدول ومنافذ على الصين وروسيا وكوريا الشمالية. والدول الثلاث لا اعتراض منها على تورّط عسكري اميركي مشابه لتورط الولايات المتحدة الأميركية في فيتنام وفي أفغانستان. بل وأصعب بحيث تعتبره موسكو وبكين مدخلا لكسر الأحادية القطبية ولإراحة روسيا في حربها الأوكرانية والصين في محاصرتها لشبه جزيرة تايوان ولتوسعها في دائرة المحيط الهندي والخلاف على الجزر مع الفليبين.

وهذه "اللوحة المعقدة" تدركها كل من واشنطن وطهران. وهي لوحة تفترض مقاربات واقعية وبراغماتية من الطرفين وتنازلات متبادلة ومرونة تستعيد الثقة بين الطرفين وتفتح المجال أمام استقرار وسلام في منطقة الشرق الأوسط ودوله وشعوبه.

ختاما تتجاور الاحتمالات. ولكن المخرج جاهز في معادلة رابح + رابح. وهي معادلة ما زالت ممكنة لكل من واشنطن وطهران.