اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كيف يمكن لدول الخليج العربية أن تكون خارج دائرة التجاذب الأميركي- الايراني، وأن لا تدفع ثمن الصراع في نفطها واقتصادها ودورها الاقليمي، وكونها شكّلت لفترة طويلة ملاذا آمنا اقتصاديا وماليا للشركات الكبرى ورجال الأعمال؟

هذا السؤال يفترض جوابا خليجيا في الأساس من ملوكها وأمرائها وشيوخها، لا من مكان آخر. ومثل هذا الجواب غير متوفّر حتى الآن ، رغم البيانات التي تصدر عن تضامن الدول الخليجية في مجلس التعاون الخليجي. فدول الخليج تفترق مواقفها في أمور كثيرة، ليس في موضوع العلاقة مع ايران فقط، وإنما أيضا في مقاربة التطبيع مع «اسرائيل»، والدعوة الابراهيمية، والدور الأميركي، ومكان هذه الدول في النظام الاقليمي، وطبيعة التوازنات التي تحتاجها بين المواقف الأميركية والروسية والصينية، وما تفترض من خيارات سياسية واقتصادية بين أحادية قطبية أميركية، وبين تعددية قطبية، وما تنتجه من متغيّرات وتحالفات.

لا شك أن دولة الإمارات العربية اختارت التطبيع مبكرا، وفتح القنوات الديبلوماسية مع «اسرائيل»، وكذلك فعلت البحرين، ودولة عمان لجأت أيضا إلى ذلك بحذر وتردد منذ فترة طويلة. فيما بقيت قطر خارج الأمر، وعززت علاقتها بواشنطن وأنقرة في آن معا، وتركت أبوابها مفتوحة على طهران. وفي لوحة كهذه، كيف يكون واقع التضامن الخليجي؟

واقع الأمر التضامن الخليجي هو شكلي وعابر، ولا يؤسس إلى مركزية في قرار مجلس التعاون الخليجي، إذ أنه من الصحيح أن هناك خشية خليجية عامة من تعزيز النفوذ الايراني، في حال تم الوصول إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، إنما الخشية الأكبر هي من حرب شاملة مفتوحة، من شأنها أن تترجم بحروب فرعية في دول الخليج وفي نتائجها المدمّرة على الاقتصاد والبنى التحتية ومنابع النفط والغاز، وهجرة الشركات العالمية باتجاه اسبانيا والبرتغال والدانمارك وبلجيكا.

بكلام آخر المصلحة الخليجية تقتضي على الأقل «الحياد» بين الولايات المتحدة الأميركية وايران، لا الذهاب إلى المشاركة في الحرب إلى جانب واشنطن كما يبغي الرئيس دونالد ترامب، ولا إلى العداء مع ايران. ومعنى «الحياد» هنا يفترض طمأنة طهران إلى عدم استخدام القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج ضدها، وإلى إقناع واشنطن بذلك. وهي مهمة صعبة التحقيق نسبيا، إنما النافذة إلى ذلك متاحة عبر الوسيطين القطري والعماني، اللذين تجمعهما علاقة وثيقة بالطرفين الأميركي والايراني.

أن المصلحة الخليجية تكمن في المساعدة على معاودة الحوار الديبلوماسي، ودفع العاصمتين الأميركية والايرانية نحو تنازلات متبادلة، وإلى استعادة صعبة للثقة، وذلك بالإتكاء على الوزن الخليجي كمصدر للطاقة ، وعلى الموقع الجغرافي الجيوسياسي المؤثر، وعلى العمق العربي وصياغة النظام الاقليمي ، وتطوير الجامعة العربية وإجراء تعديلات تنظيمية عليها وتفعيلها إعلاميا وسياسيا.

وكل ذلك يفترض تضامنا من دول الخليج على اختلافها ، حول مقاربة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من ربط «الإتفاقات الابراهيمية» بقيام الدولة الفلسطينية، باعتبار القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع في المنطقة، ومعالجتها تأتي بالاستقرار والسلام لها. وهي «مقاربة في مكانها»، وتلقى إجماعا عربيا واسلاميا، وتشكّل أداة ضغط فعلية على «اسرائيل»، وتستبعد المقاربة «الاسرائيلية للابراهيمية»، التي تعني التوسع في الجغرافيا اللبنانية والسورية والفلسطينية، والهيمنة السياسية على دول المنطقة ومكوّناتها.

فالقراءة السعودية «للظاهرة الابراهيمية» أن الأديان في جوهرها واحدة عندما نلتقي في الله، وغايتها هي الإنسان. وهذه القراءة لا اعتراض عليها، طالما هدفها هو حوار الأديان والحضارات، وإنتاج قيم إنسانية مشتركة وجامعة، وليس هيمنة وإلغاء واسئثارا.

روسيا والصين ومعهما الدول الاقليمية في المنطقة، ترصد الواقع الخليجي وتبني عليه. والمقاربة الروسية- الصينية تشير الى أن الولايات المتحدة الأميركية ومعها «اسرائيل» تسعى إلى تحويل الخوف من ايران، إلى اصطفاف ضد الجمهورية الاسلامية بهدف «شيطنة ايران»، وتطرح سرديات مختلفة وهمية في معظم الأحيان، من أن «التخلص من ايران سيفتح الطريق لدول الخليج نحو الإزدهار والاستقرار والتنمية في المنطقة».

هذا ما يستنتجه الباحث الروسي الدكتور رامي الشاعر، المستشار السياسي في وزارة الخارجية الروسية، الذي ينصح دول الخليج بأن «الدرس الرئيسي لها هو بناء قدرات دفاعية محلية، وتنويع الشراكات الأمنية، وطرح هيكل أمني جديد في الخليج وحول مضيق هرمز، يستند إلى الحوار على ضفتي الخليج وعلى الديبلوماسية والسياسة، والبحث عن الأرضيات المشتركة والمصالح المتبادلة».

وما تأخذه موسكو وبكين على الدول الخليجية، أنها غير متفقة حتى الآن على أن الحل هو في السياسة، أو أن الحل هو في الحرب الشاملة ضد ايران. وما تنصح به بناء استراتيجية أمنية مع الولايات المتحدة الأميركية، وحسن جوار مع ايران ووساطة بينهما، وأن تكون صاحبة قرار مستقل في تحديد شكل النظام الأمني الذي سيحكم المنطقة.

ويبقى السؤال بأي الخيارات ستمضي دول الخليج؟ هناك من يراهن على دور النخب الخليجية في فهم التحوّلات الجديدة، وصياغة ما ينبغي.


الأكثر قراءة

مفاوضات 4 آب لتحديد نماذج جديدة للانسحاب كنعان لـ«الديار»: اصلاح المصارف الثلثاء ولآلية حقيقية لاستعادة الودائع