تتجاوز مياه شرق المتوسط إطار الحدود التي تُرسم بين الدول، لتعدو مساحة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، الأمر الذي يجعل تركيا تنظر إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، باعتباره جزءاً من مشهد أوسع يتصل بموقعها في معادلة الطاقة والأمن في المنطقة، قبل أن تعيد زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أنقرة ولقاؤه الرئيس رجب طيب أردوغان، تسليط الضوء على هذه الحسابات، في ظل إدراج الطاقة والتعاون الاقتصادي ودعم الجيش اللبناني ضمن جدول المحادثات.
فالاعتراض التركي على الاتفاق جاء أساساً من خلفية موقف أنقرة من قضية قبرص. إذ تعتبر تركيا أنّ أي ترتيبات بحرية تتعلّق بمحيط الجزيرة، يجب ألّا تتجاهل حقوق القبارصة الأتراك، وترفض أن تكون حكومة قبرص اليونانية، الطرف الوحيد الذي يُقرّر مستقبل الموارد البحرية للجزيرة. لذلك عبّرت عن تحفّظاتها على الاتفاق اللبناني– القبرصي، انطلاقاً من رؤيتها لمنع تكريس واقع جديد في شرق المتوسط، يستبعدها من معادلات المنطقة.
لكن الاتفاق بين بيروت ونيقوسيا أصبح أمراً واقعاً، على ما تقول مصادر سياسية مطلعة، ولا تملك تركيا آلية قانونية مباشرة لإلغائه أو فرض تعديله. كما أنّ لبنان، الذي يسعى إلى تثبيت بيئة قانونية مستقرة لاستقطاب الاستثمارات في قطاع النفط والغاز، ليس معنياً بإرباك ملف ترسيم حدوده البحرية. ويأتي الاتفاق الحالي بعد اتفاق أول وُقّع عام 2007 ولم يدخل حيّز التنفيذ ، بسبب اعتراضات لبنانية مرتبطة بطريقة احتساب بعض النقاط البحرية.
غير أن انتهاء المسار القانوني للاتفاق، بحسب المصادر، لا يعني انتهاء أهميته السياسية بالنسبة إلى تركيا. فالمسألة بالنسبة لأنقرة تتجاوز الخطوط البحرية، إلى الصراع على النفوذ ومستقبل الطاقة في المنطقة. وهي تسعى إلى منع نشوء ترتيبات إقليمية في شرق المتوسط، تستبعدها من مشاريع الغاز وخطوط النقل، خصوصاً في ظل تمسّكها بعقيدة "الوطن الأزرق"، التي تعتبر البحار المحيطة بتركيا مجالاً حيوياً لمصالحها الاستراتيجية.
من هنا، يكتسب ملف الطاقة أهمية خاصة، على ما تُعقّب المصادر نفسها، خلال زيارة عون إلى أنقرة. ورغم عدم وجود إعلان رسمي بأن الاتفاق اللبناني– القبرصي كان بنداً مستقلاً في المحادثات، فإنّ إدراج "الطاقة" ضمن جدول الأعمال ، يجعل من الصعب فصل النقاش عن الملفات البحرية التي تعتبرها تركيا ذات أولوية استراتيجية.
وقد يكون الهدف التركي من إثارة هذا الملف، على ما يُقرأ في الموقف التركي، ليس إعادة التفاوض على الاتفاق نفسه، بل إعادة التأكيد على رؤيتها لترتيبات شرق المتوسط، وفتح نقاش أوسع حول التعاون في مجال الطاقة والاستثمارات البحرية. فأنقرة تدرك، وفق المصادر، أنّ لبنان مقبل على مرحلة حسّاسة مرتبطة بتطوير موارده البحرية واستقطاب شركات الطاقة، وأنّ أي حضور تركي في هذا المجال يُعزّز موقعها الإقليمي. وهذا ينسجم مع الرؤية التي عبّر عنها أردوغان في مناسبات عدّة، لجهة ترابط أمن تركيا باستقرار جوارها الإقليمي، لا سيما سوريا ولبنان، إذ اعتبر أنّ التطوّرات في البلدين الجارين تنعكس على المصالح التركية، في إشارة إلى رغبة أنقرة في لعب دور مؤثّر في ملفات المنطقة.
أمّا الحديث عن ربط المساعدات التركية للجيش اللبناني بتعديل الاتفاق البحري، فيبقى في إطار التكهّنات، إذ لا توجد مؤشرات رسمية تؤكّده. لكن لا يمكن استبعاد أن تستخدم تركيا انفتاحها المتزايد على لبنان، في إطار دعم الجيش والتعاون الاقتصادي، لإعادة طرح هواجسها السياسية المتعلقة بشرق المتوسط.
ولهذا، لا تبدو معركة تركيا مع اتفاق لبنان– قبرص معركة لتغيير الحدود البحرية التي أصبحت أمراً واقعاً، بل محاولة للتأثير في البيئة السياسية التي ستُدار فيها ثروات شرق المتوسط.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:47
الخارجية الإيرانية: نرفض تكهنات وسائل إعلام غربية بشأن ارتباط إيران بالهجمات على سفينتين في ميناء دمياط المصري
-
23:47
الخارجية الإيرانية: سياستنا مبدئية في احترام سيادة مصر ونرفض بشكل قاطع أي تورط لنا في هجمات دمياط
-
23:35
الرياضي يحسم المباراة الخامسة أمام الحكمة 99-86 ويتقدم 3-2 في نهائي "ديكاتلون" بطولة لبنان لكرة السلة ليصبح على بعد فوز واحد من الاحتفاظ باللقب
-
23:16
الخارجية السعودية: ندين ونستنكر الهجوم بمسيرة الذي أدى لاندلاع حريق في سفينتين بميناء دمياط شمالي مصر
-
23:02
وزير الخارجية الإيراني: تعد مصر صديقا وشريكا مهما في المنطقة ويشكل أمنها أهمية قصوى بالنسبة لنا
-
23:02
عراقجي: يجب علينا جميعاً أن نكون يقظين تجاه المخططات الإسرائيلية وعمليات "العلم الزائف" التي تهدف إلى تقويض السلام الإقليمي
