يتجه المشهد الاقليمي إلى مزيد من التعقيد والتوتر بحكم تشابك الأزمات وتداخلها وبحكم الحروب الفرعيّة الناجمة عن الحرب الأميركية-الايرانية. إضافة إلى لوحة الإنقسامات الداخلية في الدوائر الثلاث الأميركية والاسرائيلية والايرانية كما في الدوائر الفرعية سواء الخليجية أو العراقية والسورية واللبنانية. وكل ذلك ينتج «شللا» في اتخاذ القرار بالذهاب إلى الحرب أو إلى التفاوض.
والملاحظ أن المملكة العربية السعودية سعت طويلا لأن تبقى خارج معادلة الحرب الأميركية-الايرانية. بل «تفهّمت» إلى حدود معيّنة في البداية المبررات الايرانية في قصف القاعدة الأميركية العسكرية في المملكة واكتفت بسياسة الإدانة. إنما استُدرجت لاحقا إلى مواجهة مع الحوثيين في اليمن ومن ثم مع الحشد الشعبي في العراق في عملية عسكرية جوية مع الطائرات الحربية الأميركية تحت عنوان «الدفاع عن النفس».
وفي التقدير أن الرياض لن تذهب إلى أبعد من ذلك ولن تشارك الولايات المتحدة الأميركية في الوقت الذي تعرف فيه سلفا حدود « الحماية الأميركية» بل وحتى شكوكها في هذه الحماية. ومعنى ذلك أن الرياض تلتقي وواشنطن على نقطة معيّنة. وهي المواجهة مع ما تسميه الإدارة الأميركية «أذرع ايران» في حال تعرّضها للمصالح السعودية. وهي «الأذرع» التي وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسرطان.
وبالتأكيد فإن هذا التحفّظ السعودي على الذهاب بعيدا في الحرب لا يلقى استحسانا أميركيا. فما تريده واشنطن هو التورط السعودي الذي هو المدخل الأساسي لجر دول الخليج مجتمعة إلى الحرب. وهذا احتمال ضعيف خصوصا وأن قطر وسلطنة عمان ترتكزان إلى معادلة العلاقة الجيدة بكل من واشنطن وطهران وعلى دور الوساطة بين العاصمتين وعلى البحث عن «مخرج سلمي» وتدوير الزوايا مع رجل باكستان القوي قائد الجيش عاصم منير الذي يلقى آذانا صاغية لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي.
أما المعاناة الكبيرة حاليا فهي لرئيس الحكومة العراقية الدكتور علي الزيدي بعد الضربات الجوية الأميركية-السعودية داخل العراق وخصوصا وأن الرئيس دونالد ترامب أشار إلى موافقته المسبقة عليها لتوريطه. فما تريده واشنطن هو حصرية السلاح من الدولة العراقية وأن يكون العراق «حائط صد» للنفوذ الايراني. ومثل هذا التوجه الأميركي محرج لعلي الزيدي ولحكومته وللعلاقة داخل المكوّنات العراقية ولكونه هو بالذات في الأساس نتاجا لتقاطع أميركي-ايراني. ومشكلته أنه يلقى ضغوطا مشتركة من واشنطن وطهران لحسم أي موقف يختار. فهو عندما ذهب إلى ايران بعد عودته من واشنطن وقابل فيها كبار المسؤولين وطالب بالسماح لناقلات النفط العراقية بالمرور في مضيق هرمز آثرت طهران عدم تلبية طلبه بل بالعكس وجهت إليه سؤالا لماذا لا يُفرج عن عشرة مليار دولار لايران محتجزة في العراق. وكان جوابه غير مقنع للايرانيين عندما فسر الأمر بأن ذلك مربوط بعقوبات المقاطعة الدولية. ما يعني أن خيارات علي الزيدي صعبة جدا وخصوصا في ظل افتقار العراق إلى دولة مركزية حقيقية.
واستطرادا فإن الوضع اللبناني في إحراجاته شبيه بالوضع العراقي. ذلك أن المشهد الاقليمي المعقّد حاليا يمنح رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو هامشا من المناورة اللبنانية مستفيدا من إرباكات المنطقة المستجدة ما يعطيه فرصة لوضع الإستعصاءات أمام انتشار الجيش اللبناني في الجنوب والقيام بالمزيد من تدمير المنازل وجرف الأراضي. وهذا ما يتطلّب لبنانيا استقرارا داخليا ومزيدا من التفاهمات والحرص على الثوابت اللبنانية التي طرحها الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون كسقف للتفاوض سواء في لبنان أو خلال لقائه والرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن. وهذه الثوابت شددت على الإنسحاب العسكري الاسرائيلي الكامل من الجنوب اللبناني وعلى السيادة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى الوصول إلى حصرية السلاح والسلم الأهلي.
ولا يبالغ الرئيس اللبناني في معرفته للدور التركي المطلوب أميركيا في لبنان والمنطقة باعتباره عاملا إيجابيا يتعارض كليا مع الحسابات الاسرائيلية لبنانيا. وهكذا فإن اللقاء بين الرئيسين جوزاف عون ونبيه بري يأتي في سياق قراءة المشهد الاقليمي وانعكاساته اللبنانية وضرورات تهدئة التوترات الداخلية. وأهمية هذا اللقاء تكمن في كون الرئيس نبيه بري يملك جسورا على كل المكوّنات في الداخل اللبناني وعلى القوى الدولية والاقليمية بما فيها واشنطن وطهران والرياض. من هنا قدرته على إيجاد المناخ المناسب لمواجهة ما يحيط بالمنطقة ولبنان تحديدا عبر سياسة الأبواب المفتوحة وعدم الإنجراف إلى حسابات خاطئة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:49
القيادة المركزية الأميركية: حولنا مسار 30 سفينة وعطلنا سفينتين منذ استئناف الحصار على الموانئ الإيرانية
-
22:37
مستشفى العودة: 10 مصابين في غارة إسرائيلية على منزل بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة
-
22:37
الدفاع الروسية: استهداف 3 سفن في أوديسا جنوب أوكرانيا كانت تشارك في نقل أسلحة ومعدات لصالح الجيش الأوكراني
-
22:11
وزير خارجية الإمارات يؤكد عمق العلاقات الإماراتية البريطانية والحرص المتبادل على مواصلة تعزيزها وتنمية آفاق التعاون المشترك في مختلف القطاعات
-
22:10
جيش الاحتلال يصدر أوامر إخلاء من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة
-
22:00
وزير خارجية الإمارات يبحث خلال لقائه وزير الخارجية البريطاني في لندن تعزيز العلاقات الثنائية والأوضاع في منطقة الشرق الأوسط
