اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

منذ سنوات قليلة، كانت حرائق الغابات تُصنَّف في نشرات الأخبار كحدث موسمي عابر، يظهر مع اشتداد الحر ثم يختفي مع أول أمطار الخريف. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذريًا، إذ لم تعد النيران التي تلتهم الغابات من كندا إلى الأمازون، ومن إسبانيا إلى شرق البحر المتوسط، حادثة استثنائية بقدر ما باتت سمة ثابتة لمناخ يزداد سخونة عامًا بعد عام. وبين هذا وذاك، يقف لبنان، الذي يفقد كل صيف جزءًا من غاباته القليلة أصلًا، شاهدًا صغيرًا على أزمة عالمية كبرى.

أوروبا تحت الحصار: إسبانيا واليونان نموذجًا

تشهد إسبانيا واليونان في الأيام الأخيرة موجة جديدة من حرائق الغابات، مع اتساع رقعة النيران وارتفاع الخسائر البشرية والمادية، وسط تحذيرات رسمية من تفاقم الوضع خلال الأيام المقبلة.

في كتالونيا، أعادت الرياح القوية إشعال حريق قرب مدينة ليدا، فامتدت ألسنة اللهب إلى أودية شديدة الانحدار قرب قرية سينيت، ووصلت إلى ارتفاعات تقارب 2300 متر، فيما استُنفرت خمس طائرات إطفاء للسيطرة عليه. وفي الغرب، تسبّب اشتعال شاحنة في مقاطعة كاثيريس بحريق امتد إلى الغطاء النباتي المحيط، ما أجبر السلطات على إجلاء أكثر من 800 شخص من قريتي كاساس دي ميلان وجريمالدو. إسبانيا تواجه حاليًا 43 حريقًا نشطًا في آن واحد، وقد استعانت بفرق ألمانية متخصصة لدعم جهود الإخماد المحلية.

أما اليونان، فتخوض معركة أكثر تعقيدًا، مع حرائق مستمرة منذ أكثر من أسبوع التهمت أكثر من 12 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية. ووصف رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس المرحلة الحالية بأنها "شديدة الخطورة"، مشيرًا إلى أن سرعة الرياح تجاوزت في بعض المناطق 100 كيلومتر في الساعة، ما عطّل قدرة الطائرات على المشاركة في الإخماد. ويكافح نحو 500 عنصر إطفاء النيران في منطقة بورتو جيرمينو شمال غربي أثينا، بينما تتصاعد الجهود في بيلوبونيز وجزيرة كيفالونيا، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 6500 هكتار احترقت في منطقة خليج كورينث وحدها، وهو ما قد يجعله أحد أكبر الحرائق في تاريخ البلاد. وفي تطور مأساوي إضافي، اصطدمت مروحيتان كانتا تشاركان في عمليات الإخماد غربي أثينا، ما استدعى إطلاق عمليات بحث وإنقاذ عن أفراد طاقميهما.

ظاهرة عابرة للقارات

المشهد الأوروبي ليس سوى جزء من صورة أوسع بكثير. فبحسب متابعات بيئية حديثة، لم تعد حرائق الغابات "أخبارًا موسمية" تظهر مع الصيف وتختفي معه، بل تحوّلت إلى ظاهرة عالمية متسارعة تضرب في الوقت نفسه دولًا مختلفة الجغرافيا والمناخ، من كندا إلى فرنسا وإسبانيا، مرورًا بتركيا واليونان، وصولًا إلى شمال أفريقيا وجنوب شرق آسيا. وحين تشتعل الغابات في قارات متباعدة خلال الفترة نفسها، فهذا يعكس عوامل مشتركة تتجاوز الحدود السياسية، أبرزها القفزة القياسية في درجات الحرارة، وتراجع التساقطات المطرية، وامتداد فترات الجفاف.

الأرقام تؤكد هذا المنحى: فقد حذّر باحثون في وقت سابق من هذا العام من أن العالم قد يشهد موسم حرائق استثنائيًا يغذّيه تغير المناخ، مع مساحات محترقة تتجاوز بأشواط المعدلات المعتادة لهذا الوقت من السنة. كما رصدت دراسات علمية حديثة أن الحرائق الكبرى لم تعد تقتصر على تدمير الغطاء النباتي وانبعاث الكربون، بل باتت تُحدث اضطرابًا في الكيمياء الجوية نفسها، وتنتج شررًا متطايرًا قادرًا على إشعال بؤر جديدة على بعد كيلومترات، في وقت تتبخر فيه مياه الإطفاء أحيانًا قبل وصولها إلى قلب اللهب بفعل شدة الحرارة.

لماذا يحترق العالم أكثر فأكثر؟

الجواب العلمي شبه الجماعي يشير إلى معادلة واضحة: ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن الاحتباس الحراري يجفف التربة والنباتات، فيما تُسهم ظواهر مناخية دورية مثل "النينيو" في تضخيم موجات الجفاف وتقلبات الطقس المتطرفة. والنتيجة أن أي شرارة، ولو كانت بسيطة، تجد أمامها "وقودًا" جاهزًا للاشتعال والانتشار السريع. وتتوقع منظمات الأرصاد الجوية العالمية أن يستمر هذا المنحى خلال السنوات المقبلة، مع تحذيرات من ارتفاع إضافي في حرارة مناطق حسّاسة كالقطب الشمالي وغابات الأمازون المطيرة، التي تُعد من أهم خطوط الدفاع الطبيعية للأرض ضد تغير المناخ.

بعبارة أخرى، الحرائق لم تعد مجرد نتيجة للتغير المناخي، بل أصبحت أيضًا أحد أسبابه: فكل هكتار يحترق يُطلق كميات إضافية من الكربون المخزَّن في الأشجار والتربة إلى الغلاف الجوي، لتدخل الأرض في حلقة مفرغة من الاحترار والاشتعال.

الشرق الأوسط.. في قلب الخطر

لا يقف الشرق الأوسط بمنأى عن هذه الموجة العالمية، بل يُعد من أكثر المناطق هشاشة أمامها. فمناخ البحر المتوسط الجاف صيفًا، المقترن بموجات حر متكررة وشح في الأمطار وضغط متزايد على الموارد المائية والحرجية، يجعل من دول المنطقة بيئة مثالية لاندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة. وتضاف إلى ذلك عوامل بشرية مثل التوسع العمراني على حساب الغابات، وضعف بنية الدفاع المدني في بعض الدول، وأحيانًا النزاعات المسلحة التي تُصعّب الوصول إلى مناطق الحرائق أو تمنع تنفيذ خطط إعادة التشجير.

لبنان: غابات تتقلّص وسط أزمات متراكمة

في هذا السياق الإقليمي المتوتر، يقدّم لبنان مثالًا صارخًا على كيفية تفاعل تغير المناخ مع الهشاشة المؤسساتية والاقتصادية. فالبلد الذي لا تتجاوز نسبة غاباته 13% من مساحته الإجمالية، بات يخسر جزءًا متزايدًا منها كل موسم. ووفق بيانات المركز الوطني للاستشعار عن بُعد، فقد لبنان نحو 28% من مساحته الحرجية خلال العقد الأخير وحده، فيما اندلع أكثر من 3500 حريق منذ بداية العام الحالي.

الأرقام التاريخية تروي القصة نفسها بصيغ متكررة: 3000 هكتار احترقت عام 2019، و7000 هكتار عام 2020 أي سبعة أضعاف المعدل السنوي المعتاد، ثم أكثر من 1200 هكتار بحلول أواخر تموز 2021 وحده. ولاحظ باحثون بيئيون أن الحرائق باتت، منذ عام 2019، تصل إلى ارتفاعات كانت تُعتبر سابقًا "آمنة"، حيث تنمو غابات الأرز والشوح واللزّاب، وهو ما يُعزى مباشرة إلى الجفاف الذي يفرضه تغير المناخ على هذه الأحراج المرتفعة.

وقد أضافت الحرب الأخيرة في جنوب لبنان بُعدًا مأساويًا جديدًا: فبحسب وزارة البيئة، احترق أكثر من 5000 هكتار من الغابات والأراضي الحرجية في الجنوب بين عامي 2023 و2024، إضافة إلى 2000 هكتار أخرى خلال الشهر الأول من عام 2026 وحده، بأضرار بيئية تتجاوز 512 مليون دولار. والأخطر أن عمليات التأهيل والإطفاء في هذه المناطق تصطدم بعائق أمني يمنع الوصول إليها في ظل غياب جدول زمني واضح للانسحاب من بعض المواقع الحدودية، إضافة إلى نقص التمويل الدولي اللازم لإعادة التشجير والتأهيل البيئي.

على المستوى المحلي، يبقى العامل البشري السبب الأول لاندلاع أغلب الحرائق في لبنان، سواء عبر الإهمال كرمي أعقاب السجائر أو حرق النفايات، أو أحيانًا عن قصد. لكن الخبراء يشددون على أن تغير المناخ يضاعف من احتمالات الاشتعال وسرعة الانتشار، عبر تجفيف الغطاء النباتي وتغيير أنماط هطول الأمطار. وفي مواجهة ضعف الإمكانات الرسمية، برزت مبادرات أهلية وجمعيات مدنية في مناطق مثل عكار تعمل بموارد محدودة على مكافحة الحرائق وحماية ما تبقّى من الغطاء الأخضر.

أي مستقبل ينتظرنا؟

ما يجمع بين حرائق كتالونيا وأثينا وعكار والجنوب اللبناني ليس الصدفة، بل منظومة مناخية واحدة تزداد اختلالًا. فكلما ارتفعت حرارة الكوكب، ازدادت مساحات الأراضي الجافة القابلة للاشتعال، وتقلّصت النوافذ الزمنية التي تفصل بين موسم حرائق وآخر. ويحذّر علماء المناخ من أن السنوات المقبلة قد تشهد ما يصفونه بـ"حرائق الجيل الجديد"، الأكثر شراسة وسرعة انتشارًا، والتي تتجاوز في تأثيراتها حدود الغابات لتطال جودة الهواء والصحة العامة والأمن الغذائي.

في المقابل، تبقى الاستجابة العالمية، وخصوصًا في دول مثل لبنان، مرهونة بتوفر التمويل والإرادة السياسية لبناء أنظمة إنذار مبكر، وتعزيز فرق الإطفاء، واعتماد سياسات صارمة لإدارة الغابات ومنع التعديات عليها. فبين حرائق أوروبا التي تتصدر نشرات الأخبار، وحرائق الشرق الأوسط التي كثيرًا ما تمر في صمت، تبقى الرسالة واحدة: الأرض تحترق، والوقت الباقي للتحرك يتقلّص بسرعة لا تقل عن سرعة انتشار النيران نفسها. 

الأكثر قراءة

ترامب يُؤجّل انفجار المنطقة «إسرائيل» تمعن في إحراق وتفجير البلدات الحدوديّة