اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

كشفت دراسة أسرار الفيزياء الكامنة وراء المتانة الاستثنائية لهرم "خوفو"، ومقاومته العالية للزلازل على مدار أكثر من 4 آلاف عام، رغم عدم امتلاك بناة مصر القديمة أي برامج هندسية حديثة، ليكون صمود الهرم الأكبر تتويجًا لقرون من التعلم وتراكم الخبرات عبر التجربة والخطأ.

وأشارت الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينتيفيك ريبورتس" الصادرة عن مجموعة "نيتشر"، إلى أن الهرم الأكبر يظهر تجانسًا ديناميكيًا فريدًا، حيث كشفت القياسات أن المجمع الإنشائي للهرم يهتز بتردد أساسي يتراوح بين 2.0 و2.6 هرتز (بمتوسط 2.3 هرتز)، وهو ما يختلف جذريًا عن التردد الطبيعي للتربة والصخور المقامة عليها هضبة الجيزة والبالغ نحو 0.6 هرتز.

ويشكل هذا التباين الترددي الكبير بين الهرم والأرض حسمًا مهمًا يمنع ظاهرة "تضخيم الرنين" الناجمة عن تفاعل التربة مع البنية، ممثلاً "حاجزًا واقيًا" يعيق تضخم الموجات الزلزالية المدمرة أثناء مرورها عبر الحجر الجيري.

اختبارات زلزالية

وعلى مدى 4600 عام، تعرضت المنطقة المحيطة بهرم خوفو لشواهد زلزالية ضمن نصف قطر يبلغ 80 كيلومترًا، كان أبرزها زلزال الفيوم عام 1847 بقوة بلغت 6.86 درجة على بعد 70 كيلومترًا.

وشهدت المنطقة اختبارًا عمليًا بارزًا في 12 أكتوبر/تشرين الأول عام 1992 عندما ضرب زلزال بقوة 5.8 درجة القاهرة والجيزة، ورغم شدته، فإن الهرم لم يتأثر سوى بسقوط حجر كسوة خارجي واحد فقط، مما أثبت عمليًا قدرة الهرم الهيكلية على امتصاص الصدمات.

الهيكل المعماري

يقع هرم خوفو شمال غربي هضبة الجيزة، حيث بني في عصر الدولة القديمة (2600 - 2450 ق.م) بارتفاع أصلي قدره 146.59 مترًا، وقاعدة يبلغ طول ضلعها 230.33 مترًا، وزاوية ميل تصل إلى 51 درجة و50 دقيقة و40 ثانية، لكن نتيجة لفقدان أحجار الكسوة والقمة عبر الزمن، يبلغ ارتفاعه الحالي نحو 137 مترًا.

ويتكون الهرم من نواة وكسوة أفقية تحتوي على نحو 2.3 مليون كتلة حجرية، ويضم 8 عناصر إنشائية رئيسية هي المدخل الرئيسي مع الممر الهابط، ومدخل عمال (الخليفة المأمون)، والحجرة تحت الأرضية، والدهليز الكبير، وحجرة الملكة، وحجرة الملك، وحجرات تخفيف الضغط، والفتحات.

منهجية القياس

ولتقييم الاستجابة الهيكلية بدقة دون إلحاق أي ضرر بالنصب، استخدم الفريق العلمي جهاز قياس الضوضاء المحمول من طراز (McSEIS-MT NEO) المطور من شركة (OYO)، والمزود بمقياس تسارع ثلاثي المحاور ونظام GPS، يعمل في نطاق ترددي من 0.1 إلى 200 هرتز.

وطبق الباحثون تقنية النسبة الطيفية الأفقية إلى العمودية (HVSR) من خلال التسجيل لمدة 15 دقيقة في كل موقع وفق إرشادات مشروع (SESAME) الأوروبي، في أوقات خلت تمامًا من الحركة السياحية أو النشاط البشري.

وشملت الدراسة 37 نقطة قياس جرى توزيعها بدقة لتغطية مختلف أجزاء النصب، حيث ضمت 6 قياسات داخل حجرة الملكة وقياساً عند مدخلها، و8 قياسات داخل حجرة الملك إلى جانب 4 قياسات على طول ممر مدخلها، بالإضافة إلى 5 قياسات توزعت داخل غرف تخفيف الضغط الأربع ومدخلها. 

وشملت الفحوصات المنطقة السفلى والممرات من خلال قياس داخل الحجرة تحت الأرضية وآخر بالممر الأفقي المتصل بها، وقياس عند مدخل الممر الهابط، فضلًا عن قياس عند بداية مدخل (الخليفة) وقياسين داخله، وصولًا إلى المحيط الخارجي والتربة عبر إجراء 4 قياسات على الأحجار الخارجية للهرم عند ارتفاعات مختلفة، و3 قياسات في التربة المجاورة له.

قراءة الأرقام 

وأظهرت النتائج أن التردد عند مدخل الممر الهابط يبلغ 1.4 هرتز، وينخفض إلى 1.3 هرتز داخل الحجرة تحت الأرضية، وهو ما يماثل ترددات ممر المأمون (1.3 - 1.4 هرتز) المحفور لاحقًا خارج التصميم الأصلي، بينما انخفض التردد على الأحجار الخارجية أمام ممر الخليفة إلى 0.8 هرتز لارتباط هذه المنطقة بالتربة السفلى مباشرة.

أما في الأجزاء المرتفعة، فقد تراوحت ترددات حجرة الملكة بين 2.1 و2.3 هرتز، وحجرة الملك بين 2.3 و2.6 هرتز، بينما سجلت حجرات تخفيف الضغط ترددًا متساويًا قدره 2.4 هرتز.

وعلى مستوى عامل التضخيم النسبي، فقد بدأ من القيمة (1) عند الأرضية وارتفع تدريجيًا مع الارتفاع ليصل إلى قمة قدرها (4) عند حجرة الملك (ارتفاع 48.68 مترًا).

غير أن المفاجأة تمثلت في انخفاض هذا العامل إلى القيمة (3) داخل حجرات تخفيف الضغط (بين 48.86 و61.07 مترًا)، مما يقدم دليلًا حاسمًا على أن الهندسة المعمارية لغرف تخفيف الضغط تنجح فعليًا في امتصاص وتقليل الإجهادات الزلزالية الواقعة على السقف الثقيل لحجرة الملك.

السلامة الجيوتقنية

وتدعم هذه النتائج طبيعة التصميم الهندسي للهرم، والمبني على صخور جيرية صلبة، مع تمركز معظم كتله الحجرية الضخمة بالقرب من القواعد الأرضية وتناقصها صعوداً، مما يطابق مركز الكتلة مع مركز المقاومة ويمنع الحركة الالتوائية أثناء الهزات.

وأكد الباحث محمد الجابري، لنشرة "ناشيونال جيوغرافيك"، أن الدراسة تثبت كفاءة البناء المصري القديم، مع التخطيط لإجراء أبحاث مستقبلية تعتمد على النمذجة العددية المقترنة وتحليل العناصر المحدودة للتنبؤ الدقيق بالسلوك الهيكلي للهرم في مواجهة أي مخاطر زلزالية قادمة.


الأكثر قراءة

حتى لا تموت أميركا في الشرق الأوسط