اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

حين يقول البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من قصر بعبدا إنّ "الكرسي الرسولي معني بقضية لبنان، وعلينا أن نكون على قدر هذا المستوى، وإنّ الفاتيكان يقف إلى جانب لبنان ويحرص على دعمه"، فهذا يعني أنّ موقف الكرسي الرسولي ليس معنويا، بل يُترجم الى أفعال لحماية لبنان واللبنانيين، وخصوصا المسيحيين في الجنوب، لا سيما مع انتقال المفاوضات بين لبنان و "إسرائيل" برعاية أميركية، من واشنطن إلى روما.

تؤكّد مصادر كنسية مطلعة أنّ الفاتيكان ليس طرفًا في المفاوضات، ولا يملك أدوات فرض تنفيذ الاتفاق على لبنان أو "إسرائيل"، لكنّه يتحرّك عبر الديبلوماسية والاتصالات السياسية والقنوات الكنسية والإنسانية، لدعم مسار ينهي الحرب ويمنع استمرار النزوح، ويحمي سكّان القرى الحدودية في أراضيهم.

وكان البابا لاوُن الرابع عشر قد أوضح أنّ الكرسي الرسولي يعمل أحيانا «خلف الكواليس» في مفاوضات السلام، لدفع الأطراف إلى إلقاء السلاح والعودة إلى الحوار. ومن هنا، تقول المصادر ان «لحظة روما» تكتسب أهمية إضافية. فوجود المفاوضات في العاصمة الإيطالية لا يجعل الفاتيكان وسيطا، لكنه يضع الملف اللبناني في بيئة سياسية قريبة من الكرسي الرسولي، بما يتيح لديبلوماسيته التحرّك على خط موازٍ يقوم على التشديد على حماية المدنيين، ورفض تحويل الجنوب إلى منطقة نزوح دائم، والحفاظ على إمكان عودة السكان إلى قراهم. وهذا يفسّر اهتمام الفاتيكان بالوجود المسيحي في الجنوب.

ووفق المصادر الكنسية فان المطلوب ليس فقط مساعدة المسيحيين بعد نزوحهم، بل منع تحوّل النزوح إلى حلّ دائم. ولهذا يستمرّ السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا، في التواصل مع القرى الحدودية والمؤسسات الكنسية، بالتوازي مع المساعدات التي تقدّمها منظمات كنسية وإنسانية.

وتقول المصادر الكنسية إنّ حماية الوجود المسيحي لا تتحقّق بالتصريحات وحدها. فإذا انقطعت الأدوية، وتعطّلت المدارس، وغابت الخدمات وتوقّفت سبل العيش، سيضطر السكان إلى الرحيل حتى لو توقفت المعارك. لذلك تأتي المساعدات الإنسانية عبر القنوات البابوية كجزء من تثبيت المجتمع، لا مجرد إغاثة ظرفية، في وقت يتواصل النزوح ويزداد انعدام الأمن الغذائي وتتضرّر الخدمات الأساسية.

وتؤكد المصادر ان الفاتيكان يحاول إبقاء لبنان في النقاش الدولي، باعتباره دولة يجب أن تستعيد قدرتها على حماية مواطنيها، لا ساحة تتقرّر فيها مصائر اللبنانيين من الخارج. ولهذا يدعم الفاتيكان، على ما تلفت المصادر نفسها، مواقف الدولة اللبنانية ولجوءها إلى الحوار أو المفاوضات التي تجري حاليا في روما، للتوصّل إلى استعادة الهدوء والاستقرار في الجنوب. وهذا ينسجم مع خطاب البابا لاوُن الرابع عشر الداعي إلى الحوار والديبلوماسية والسلام العادل.

وتتجاوز حماية المسيحيين البُعد الطائفي، على ما تُضيف المصادر، فلبنان بالنسبة إلى الكرسي الرسولي، نموذج للتعددية والحوار بين الأديان، وتهجير المسيحيين يعني إضعاف إحدى ركائز الصيغة اللبنانية التي يحرص على بقائها، لكن الفاتيكان يستطيع التأثير ولا يستطيع فرض النتائج، إذ لا يملك قرار الانسحاب "الإسرائيلي" ولا شروط الاتفاق، بل يعتمد على الديبلوماسية وشبكة العلاقات الكنسية، والقدرة على تحريك الدعم الإنساني، وإبقاء قضية المدنيين والوجود المسيحي والاستقرار اللبناني حاضرة دوليا.

من هنا، تصبح «لحظة روما» أكثر من انتقال جغرافي للمفاوضات. فالوساطة الأميركية على طاولة التفاوض، والدور الإيطالي في البيئة المحيطة بالمسار، والديبلوماسية الفاتيكانية خارج الطاولة، والكنيسة اللبنانية داخل القرى، كلها تلتقي عند هدف واحد: ألا تنتهي الحرب بانتصار النزوح على البقاء. 

الأكثر قراءة

عون يسعى لدى واشنطن لوقف النار وتوسيع الانسحابات جلسة الثلثاء نحو إقرار صيغة توافقيّة لقانون العفو بالأكثريّة