اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا يختلف اثنان على أن ما حصل من اتفاق ثلاثي، في مكة، يتخطى بمفاعيله الحدود العسكرية بمفهومها الدفاعي والهجومي الضيق، الى مساحة اقتصادية وسياسية أوسع، تمتد رقعتها الجغرافية على ساحة الشرق الاوسط، بمفهومه الواسع، تاركا تداعياته على الكثير من البلدان والملفات الاقليمية، ومن بينها لبنان، الذي سيتأثر حكما بوصفه تاريخيا ساحة لاختبار التوازنات الاقليمية على أنواعها.

لا شك، أن الاتفاق السعودي - التركي - الباكستاني، لا يعني أن قوات هذه الدول ستصل إلى لبنان، ولا يعني تلقائياً تغييراً في قواعد الاشتباك اللبنانية، لكن مفاعيله السياسية والاقتصادية، قد تكون أعمق من أي انتشار عسكري، على ما تقول مصادر دبلوماسية، مشيرة، الى أن لبنان، بحكم موقعه، علاقاته، وتشابك أزماته، مرشح أن يكون إحدى أول الساحات التي يمكن أن تظهر فيها نتائج هذا التحول، من زاويتين متناقضتين:

- الأولى، تنامي الدور السعودي - التركي وما قد يمنحه للبنان من فرصة لإعادة إدخاله في شبكة عربية - إقليمية أوسع، شرط أن تنجح الدولة اللبنانية في استعادة قرارها السياسي والأمني.

- الثانية، فخشية من أن تتحول بيروت إلى ساحة اختبار جديدة للصراع على النفوذ بين المحاور في المنطقة.

ورأت المصادر أن الاتفاق يمكن ان يشكل فرصة لبيروت في حال احسنت التأقلم مع الواقع الجديد، خصوصا أن تنشيط الدور السعودي والتركي، يمكن أن يفتح نافذة أمام لبنان لاستعادة موقعه الاقتصادي والسياسي، تحديدا إذا ما ترافق ذلك مع إعادة بناء الثقة العربية بالدولة اللبنانية، فالرياض، ستتعامل مع الملف اللبناني مستقبلاً من منظور مختلف: دعم مؤسسات الدولة، من جيش وقوى أمنية، وربط أي انفتاح عربي أوسع على لبنان بمدى قدرة الدولة على تثبيت سيادتها.

وتابعت المصادر، أما فيما خص تركيا، التي تملك علاقات متعددة الاتجاهات داخل لبنان، فان دورها قد يكون الأكثر إثارة للاهتمام لبنانياً، فهي لا تتحرك في المنطقة بعقلية اللاعب العسكري فقط، بل تجمع بين الاقتصاد والدبلوماسية والوساطة والعلاقات السياسية، ما يجعلها مرشحة للعب دور أكبر في ملفات لبنانية عدة، من إعادة الإعمار إلى الاستثمار والطاقة، وصولاً إلى التواصل بين أطراف إقليمية متباعدة.

في المقابل تخوفت المصادر، من تضييق هامش المناورة اللبنانية، خصوصا أنه سيكون من الصعب على بيروت، أن تبقى خارج التحولات الإقليمية، في الوقت نفسه الذي تطالب فيه بالمساعدات والاستثمارات والغطاء السياسي العربي لمفاوضاتها مع تل أبيب.

وحول تأثير "الكيان الجديد" على دور ايران واسرائيل ونفوذهما في لبنان، أشارت، إلى ان المسألة الأكثر حساسية، بالنسبة لايران تتمثل في أن الرياض لم تعد تتحرك وحدها، ما يمنحها خيارات إضافية في التعامل مع ملفات المنطقة، ومنها لبنان، دون أن يعني ذلك تلقائياً تراجع النفوذ الإيراني، بسبب الاوراق المحلية القوية التي تملكها، وفي مقدمتها علاقتها بحزب الله، فضلاً عن شبكة علاقاتها السياسية والاجتماعية داخل لبنان.

اما بالنسبة لاسرائيل، فواضح أن المعادلة الأمنية التي حاولت تثبيتها في الجنوب بعد الحرب، لا تعني بالضرورة أنها أصبحت صاحبة اليد العليا سياسياً في لبنان، بل العكس، فان أي توسع للدور السعودي - التركي في إعادة بناء الدولة اللبنانية، مدعوماً بتفاهمات إقليمية أوسع، قد يحد من قدرة إسرائيل على تحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي دائم.

وختمت المصادر، بان المعادلة الإقليمية الجديدة لن تنتظر لبنان، الذي لطالما حاول النجاة عبر سياسة النأي بالنفس عن صراعات منطقة هي نفسها تغيّرت، كما أن قواعد اللعبة لم تعد تسمح بالوقوف طويلاً في المنطقة الرمادية.