دخل لبنان مرحلة سياسية أكثر تعقيداً مع انتقال تداعيات المفاوضات مع «إسرائيل» من طاولة البحث في الترتيبات الأمنية والميدانية إلى قلب الاشتباك الداخلي، في ظل ارتفاع حدة المواقف حيال المسار الذي تسلكه الدولة، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب وعدم تحقيق الخرق المنتظر في ملف الانسحاب من الأراضي اللبنانية.
فالمشهد الذي تبلور خلال الساعات الماضية أظهر أن المرحلة المقبلة لن تكون محكومة فقط بما يحصل بين لبنان و«إسرائيل» على طاولة المفاوضات، انما أيضاً بقدرة الداخل اللبناني على استيعاب الخلاف المتزايد حول التفاوض وحدوده وأهدافه والنتائج التي يمكن أن يحققها. وفيما تتمسك السلطة بالمسار السياسي والدبلوماسي باعتباره الطريق المتاح للوصول إلى وقف الاعتداءات واستكمال الانسحاب الإسرائيلي وإعادة تثبيت سلطة الدولة جنوباً، يرفع «حزب الله» تدريجياً مستوى اعتراضه، معتبراً أن لبنان يقدم تنازلات من دون الحصول على مقابل، فيما تستمر «إسرائيل» في عملياتها العسكرية وتفرض وقائع جديدة على الأرض.
الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية متواصلة
ميدانياً، لم تحمل عطلة نهاية الأسبوع أي مؤشر إلى انعكاس المسار التفاوضي تهدئة على الأرض، بل واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخروقاته في الجنوب، منفذاً تفجيرات في بلدتي زوطر الشرقية وحداثا.
كذلك نفذ الاحتلال تفجيرين في بلدة صربين في قضاء بنت جبيل وبلدة المنصوري، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف تلة علي الطاهر، فيما سجل قصف مدفعي متقطع على المنطقة الواقعة بين بلدتي ميفدون وزوطر الشرقية في قضاء النبطية، وأطراف بلدة طلوسة ووادي السلوقي.
وأصيب شخصان إثر الاعتداء عليهما بمحلقة إسرائيلية في دوحة كفررمان في قضاء النبطية، في وقت سجل تحليق للطيران المسيّر الإسرائيلي على علو منخفض فوق بيروت، وفي أجواء المتن ومدينة صور.
ولم تقتصر الاعتداءات على القصف والتفجيرات، إذ ألقت محلّقات إسرائيلية مقذوفات ومواد حارقة تسببت بحرائق واسعة في مساحات من أحراج البقاع الغربي وجباله، امتدت من نيحا إلى كفرحونة، وعملت فرق الإطفاء وطوافات الجيش اللبناني على مكافحة النيران وسط صعوبة كبيرة نتيجة وعورة التضاريس.
وفي زوطر الغربية، أعلن الجيش اللبناني إصابة ثلاثة عسكريين بجروح أثناء قيامهم بتفكيك ذخائر غير منفجرة، في مؤشر إضافي إلى الأخطار التي لا تزال تخلفها العمليات العسكرية الإسرائيلية في المناطق الجنوبية.
«حزب الله»: إبادة بيئية
وأمام استمرار الاعتداءات، رفع «حزب الله» مستوى هجومه السياسي على السلطة، رابطاً بين ما يحصل على الأرض وبين طريقة إدارتها للمفاوضات.
واعتبرت العلاقات الإعلامية في الحزب أن قيام «إسرائيل» بإضرام النار في المناطق الحرشية في جنوب لبنان وتحويلها إلى مساحات محروقة وغير قابلة للحياة يشكل استمراراً لما وصفته بـ«الإبادة العمرانية» وتجريف البنى التحتية وسرقة أشجار الزيتون المعمرة.
ورأى الحزب أن ما سماه «الإبادة البيئية» يتواصل في ظل عجز السلطة عن التحرك ضد «إسرائيل»، متهماً إياها بأنها منحت العدو «صك حماية» من خلال التزامها عدم تقديم شكاوى في المحافل الدولية.
وذهب الحزب أبعد من ذلك، معتبراً أن ما يجري يكشف طريقة إدارة السلطة للمفاوضات وحجم التنازلات التي قدمتها، ومتهماً إياها بعدم الأهلية للحفاظ على مصالح لبنان والتفريط بحقوقه الأساسية، داعياً الحكومة ووزارة البيئة وسائر الوزارات والجهات المعنية إلى التحرك لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على البيئة بعد الإنسان والعمران.
وتكتسب هذه المواقف أهمية سياسية تتجاوز مسألة الحرائق نفسها، إذ إنها تؤكد أن اعتراض «حزب الله» على المسار التفاوضي بدأ يتحول إلى مواجهة سياسية مباشرة مع السلطة، بعدما كان الخلاف خلال المرحلة السابقة يدور بصورة أساسية حول شروط التفاوض وحدوده.
نتنياهو: عملية بالغة الأهمية في لبنان
وفي موازاة التصعيد الميداني والسياسي في الداخل اللبناني، جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتزيد الغموض حول ما تعد له «إسرائيل» في المرحلة المقبلة.
فقد أعلن نتنياهو أن «إسرائيل في خضم عملية بالغة الأهمية في لبنان»، رافضاً الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن طبيعة العمليات الجارية.
وقال إن حكومته تتحرك «بحكمة وتقدير سليم وبإصرار وحذر» بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، وإنها تعمل على «إزالة التهديدات».
وتكتسب تصريحات نتنياهو أهمية خاصة في توقيتها، إذ تأتي فيما تستمر المفاوضات من جهة والعمليات الإسرائيلية في الجنوب من جهة ثانية، ما يفتح الباب أمام أكثر من تفسير لطبيعة «العملية» التي تحدث عنها وما إذا كانت مرتبطة بالمفاوضات والترتيبات الجاري العمل عليها، أم بخطوات ميدانية إسرائيلية إضافية.
وفي ملف غزة، أكد نتنياهو رفضه وثيقة النقاط الـ15 التي قدمها مجلس السلام، معلناً أنه لن ينفذ أي انسحاب قبل نزع سلاح «حماس»، كما جدد رفضه إقامة دولة فلسطينية في غزة أو الضفة الغربية ما دام رئيساً للحكومة.
التفاوض بلا خرق حاسم
وعلى خط المفاوضات، لم تؤد جولة روما الأخيرة إلى اتفاق على المنطقة التالية التي يفترض أن يشملها الانسحاب الإسرائيلي، رغم البحث في عدد من الطروحات اللبنانية، وبينها بنت جبيل والخيام.
وفي المقابل، سجل تقدم تقني في البحث بآلية التحقق والترتيبات الأمنية والدول التي يمكن أن تشارك فيها، على أن تستكمل الاتصالات تمهيداً للجولة المقبلة.
غير أن المعطيات التي أحاطت بالمفاوضات أظهرت أيضاً اتجاهاً إسرائيلياً إلى توسيع جدول البحث، مع إثارة ملفات تعود إلى الحرب اللبنانية، بينها قضية رفات إسرائيليين ويهود فقدوا في لبنان وملف الطيار الإسرائيلي رون آراد، مقابل إثارة لبنان ملف الأسرى اللبنانيين.
وإذا كانت هذه الملفات لم تتحول حتى الآن إلى شروط نهائية، فإن إدخالها على خط المفاوضات يزيد من حجم التعقيدات، وخصوصاً إذا حاولت «إسرائيل» ربط تنفيذ الانسحابات أو الخطوات الميدانية بمعالجة ملفات إضافية.
وهنا تحديداً تكمن العقدة التي يستند إليها معارضو المسار الحالي، إذ يعتبرون أن «إسرائيل» تستفيد من الوقت لتوسيع جدول مطالبها، فيما تواصل عملياتها العسكرية على الأرض، في حين تراهن السلطة على أن استمرار التفاوض والضغط الأميركي سيؤديان في نهاية المطاف إلى انسحابات فعلية ووقف الاعتداءات.
الراعي: للدولة قرار الحرب والسلم
وسط هذا الانقسام، برز موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الذي جدد تمسكه بخيار الدولة والمؤسسات.
وقال الراعي في عظة الأحد إن «ما أحوج لبنان إلى إيمان لا يتراجع أمام الأبواب المغلقة ولا يسمح للألم أن يتحول إلى استسلام»، مؤكداً أن على لبنان أن يبقى ثابتاً في مطالبته بالسيادة.
وأعرب عن أمله في أن تثمر المفاوضات، مجدداً الوقوف إلى جانب الجيش اللبناني والتأكيد أن تكون للدولة سلطة الحرب والسلم.
ويكتسب موقف الراعي بعداً سياسياً في ظل السجال المتصاعد حول المفاوضات، إذ يأتي في مقابل ارتفاع سقف اعتراض «حزب الله»، ليعيد التأكيد على مرجعية الدولة في الخيارات الاستراتيجية، في لحظة بدأ فيها النقاش يتجاوز تفاصيل المفاوضات إلى مستقبل القرار السياسي والأمني في البلاد.
كما طالب الراعي بإصلاح حقيقي «لا بالشعارات»، وبكشف الحقيقة كاملة في جريمة انفجار مرفأ بيروت، مؤكداً أنه «لا دولة من دون محاسبة».
لا أزمة محروقات
وعلى المقلب المعيشي، أكدت وزارة الطاقة والمياه عدم وجود أزمة محروقات، مشيرة إلى أن مادة البنزين متوافرة وأن حاجات السوق تؤمّن على مختلف الأراضي اللبنانية، داعية المواطنين إلى عدم الهلع.
وأكد نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس أن أزمة البنزين أصبحت خلف اللبنانيين، وأن البواخر ستبدأ تفريغ حمولاتها قبالة الشواطئ اللبنانية.
بدوره، أعلن ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا أن تفريغ بواخر المحروقات يبدأ الاثنين، على أن تضخ كميات كبيرة في الأسواق، متوقعاً تراجعاً طفيفاً في أسعار المحروقات اعتباراً من الثلاثاء.
موظفو الإدارة العامة نحو التصعيد
وفي ملف آخر، دعت الهيئة الإدارية لموظفي الإدارة العامة العاملين إلى الالتزام بما يصدر عنها والبقاء على جهوزية لتنفيذ خطوات تصعيدية في حال عدم التجاوب مع مطالبهم، ما يعيد الملف المطلبي للقطاع العام إلى الواجهة.
إحباط تهريب كبتاغون إلى السعودية
أمنياً، نجحت قوى الأمن في إحباط محاولة تهريب خمسة آلاف حبة كبتاغون إلى السعودية، كانت موضبة بطريقة احترافية داخل صندوق «مزهرية».
وتمكنت القوى الأمنية من توقيف ناقل الطرد أثناء تسليمه في شركة الشحن، في عملية تكتسب أهمية في ظل الجهود اللبنانية المستمرة لمكافحة تهريب المخدرات إلى دول الخليج.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:39
قصف مدفعي إسرائيلي شمال شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة
-
23:33
«الوكالة الوطنية»: العدو الإسرائيلي نفّذ مساء اليوم تفجيراً كبيراً في بلدة كفرتبنيت
-
23:32
وسائل إعلام يمنية عن مصدر عسكري حكومي: الدفاعات الجوية تسقط 6 مسيرات للحوثيين كانت تستهدف المخا
-
23:32
وسائل إعلام يمنية عن مصدر عسكري حكومي: الحوثيون أطلقوا صاروخين باليستيين باتجاه المخا سقطا في البحر
-
23:22
مدفعية الاحتلال تعتدي على تلة علي الطاهر
-
23:16
«الوكالة الوطنية»: قصف مدفعي إسرائيلي استهدف بلدة المنصوري
