تبالغ الادارة الامريكية في استخدام القوة الخشنة والصلبة فحتى السلام صار عندها بالقوة والقسر !! ما يظهر ان القوة العسكرية هي البعد الفعال وربما الوحيد في جعبتها . إيمانويل تود كان من بين من استوقفه ذلك فاعتبر ان اظهار القوة الصلبة وتغليبها لهذا الحد هو وسيلة تعويض عن ازمة فعلية للتغطية عليها ، هو دليل على معضلة التفوق اكثر مما يدل على تفوقها الفعلي .
اين قوة النموذج والمجتمع وقيمه وترابطه وهويته ، اين الروح الجماعية وروح الامة ؟ اين النخب ومشاركتها واستيعابها في موسسات القرار والتجديد فيها ، وماذا عن قيم العقلانية والديمقراطية الليبرالية واليات صناعة القرار اين منظومة العلاقات السياسية المتعددة الأطراف والترتيبات الامنية العالمية والاقتصاد الموطّن والانسجام والعدالة والقدرة على التجدد الذاتي …. اوليست هذه العناوين جزءا مقوما بل واصلا في نظرية القوة الفعلية وبناء المكانة ! .
لا تجد شخصية فكرية او استراتيجية فذة اليوم تقول بصعود أميركا او حتى بحفاظها على موقعها ، فحتى اكثر المنحازين لها والمتفائلين بمستقبلها من مجتمع النخب يقول بتراجعها لكن مع بقائها الأقوى او بقائها موثرة اولى ولا يرى انها ستنهار كما حدث مع الاتحاد السوفياتي . لكن الاعم الأغلب يجزمون بتراجع كبير لنفوذها وبرى صعوبة وقف تراجعها باعتبار الامر يحتاج إلى شروط موضوعية وارادوية لا تبدو في المنال امريكياً وعالميا بل الأمر يزداد تعقدا .
فاذا كان تطبيق نظرية ستيغلر وفق منهجه تحتم زوال الإمبراطورية الأمريكية انطلاقا من فهمه للدولة وصعودها وهبوطها او ما يسميه دورة الحياة للدول . واذا كان إيمانويل تود يرى "موت الغرب" وفق ما عرض في كتابه الأخير متنبئا بانحدار الإمبراطورية الأمريكية وصولا للانهيار فان نيل فيرغسون يرى ان هناك تحديات وعوائق تحول دون استمرار أميركا بنفس المكانة العالمية وغم انه يومن بامكانية نظرية لإصلاح العطوبة لكن هل يوجد من يستطيع القيام بذلك !! ، ولم يكن صموئيل هنتغتون بعيدا عن هذه الرؤية حيث كان يخشى ان يفرز النظام من داخله حالة شعبوية تعمق الاستقطاب والانقسام وتضيع طاقة المجتمع وتبددها وإمكاناته للحفاظ على أحاديته وكذا الحال بالنسبة لتويمبي الذي وفق نظريته الاستجابة والتحدي يُستنتج ان أميركا غير قادرة اليوم على تجديد ذاتها باستجابة فعالة للتحديات ويتعمق تبروتشين في تبيان محاذيره ومخاوفه من استحضاره لازمات أميركا الداخلية وتناقضاتها التي لا حل لها وبرنارد لويس الذي لم يخش من صعود الآخرين بد من ذبول الحضارة الغربية وهجرها عن تحديد نفسها ولن نغفل بريجنسكي الذي اعتبر ان الولايات المتحدة لن تستطيع الحفاظ على زعامتها العالمية وتفوقها فهي في تراجع نسبي وان مشكلتها الاساس والأولى داخلية قبل ان تكون خارجية وقريب منه كيسنجر الذي يرى ان الاحادية فترة قصيرة وانتهت حتى لو بقيت أميركا الأقوى بين اقطاب متعددة والى غيرهم من المنظرين الذين يجمعون على تراجع أميركا ( بمعزل عن حدود التراجع بحسب كل منهم ) وليس آخرهم ريتشارد هاس الذي يرى ان العالم يتجه إلى عالم بلا اقطاب وسنيفن والت وميرشماير المفكرين المعروفين بموقفهما وتنبيههما من حراجة التحديات على مستقبل الولايات المتحدة وصناعة القرار فيها وينبهان لمخاطر استمرار العلاقة باسراءبل على هذا النحو ومخاطرها على مستقبل النفوذ الأمريكي العالمي .
واللافت انه رغم اختلاف منطلقات هولاء المفكرين ومدارسهم ومناهجهم لكنهم يجمعون إلى أن مسار تراجع أميركا مؤكد ولو انه "تراجعا نسبيا لكنه لا يبقيها القوة الحاسمة" وان منع هذا التراجع او تبطيئه يحتاج لشروط معينة لا تبدو متوافرة او يمكن توافرها بالمدى المنظور .
لا شيئ في العلوم الإنسانية حتميا وهذا صحيح ، ولكن ايضا لا يعني انه ليست هناك قواعد عامة حاكمة والا لما زالت واندثرت حضارات وامم قوية وتجارب حتى امينا القريب مع بريطانيا ( تراجع ) وهتلر ( نهاية) والاتحاد السوفياتي كذلك . ليس بالضرورة ان تتطابق مسار تجربة أميركا بغيرها من الامبراطوريات تطابقا تاما ، فيمكنها ان تماثل مصيرهم وممكن ان تتلافاه إذا ما عادت إلى النقد والنظر والتقويم لكن مشكلة اميركا الاهم هو ان عملية ومنهج التقويم يحتاجان ذاتا لغاية وفلسفة لا يوجد اتفاق عليها اليوم ولا عمن يرعاها، وهذا بذاته تحدي كبير لا تستطيع تجاوزه لان المعضلة كامنة إبتداءا فيه . فاميركا بنت زعامتها على البروتستانتية بأبعادها وبنت نظاما سياسيا يشبَه بساعة غاليليو لدقته وحساسية توازناته ، ولا يوجد اي موشر على قدرتها على المعالجة إلا بثورة ثقافية !! فهل من يقوم بها ؟ .
ان ما هو قائم اليوم في عالمنا من تحولات لا يؤشر فقط إلى صعود قوى بل ايضا يؤشر إلى تراجعها وتسارع وتوسع تحدياتها في الداخل والخارج على السواء .
ولعل فشلها في المواجهة التاريخية مع إيران سيكون المفصل الاهم الذي سيؤرخ لتسارع مسار انحدارها .
لا نجد إلا ضعاف النفوس أولاء الذين لا يجرؤون حتى ان يناقشوا في مستقبل أميركا وتخبطها بل يسلموا لأبدية سطوتها وهيمنتها ويتعاطون معها كقدر لا مفر منه ولا يقبلوا حتى ان يقفوا امام التاريخ وعلومه ودراسات المستقبل ليسألوا ويبحثوا عن اجابات ، فيستغرقون في الآتي والعاجل ويتركون الأجل علما ان الإنسان يعيش في الأجل وليس العاجل ويبني خططه على ضوء ذلك . بالأمس هذه النخب في بلادنا تبنت تنظيرات القوة الناعمة وملؤوا الشاشات بكلام القوة الناعمة ومحوريتها حتى صاروا جزءا من قوة أميركا الناعمة على مجتمعاتهم واليوم عادوا فتغيروا إلى القوة الصلبة ومحوريتها ما يطرح سوال تقلب وعدم استقرار كثير من النخب فكريا في عالمنا العربي والإسلامي وانهم رجع صدى للغرب دون ان يدروا يعكسون فكر الغرب اكثر مما ينتجون هم افكارا جديرة بالتأمل ودفع شعوبهم قدما .
نعود ونقول انّ أميركا في مسار انحدار وما بعد الاحادية وان تراجعها هو مسار يتراكم منذ مدة ، وفشلها الاستراتيجي في مواجهة المقاومة هو التأريخ الاهم من الان فصاعدا .
بهذا الفشل انكشف وهم قوتها "المطلقة" وأحاديتها وظهر ترددها وانفجرت تناقضاتها وهوت سرديتها وبانت عيوبها للملا فتراجعت في نفوس الغالبية الساحقة من البشر قبل ان تسقط في عيونهم . فشكرا لمجتمعات المقاومة من غزة ولبنان الى طهران امن كان لصمودها وتضحياتها فضل تحرير البشرية من القيود الأمريكية وتحطيم الأغلال لا سيما قيد الوهم !!
ختاما ، من لا يمتلك جرأة القراءة الناقدة ويخاف من التعلم ويستسلم للحاضر دون ان يربطه بالاتجاه او الوجهة والاستشراف فيرى الواقع ككبسولة ليس لها ما قبلها ولا ما بعدها ومن لا يقرأ في فلسفة السياسة والتاريخ وصعود وهبوط الامم سيعيش اسير افتراضات ظنا منه انها مسلمات ولا تراه يليق ان يكون في موقع القيادة وتحمل المسؤوليات وهذه مشكلة كثير من انظمتنا العربية ومنها السلطة في لبنان التي اظهرت في طريقتها ونموذجها في التفاوض محدوديتها وقصورها ، فكانت المناطق التجريبية نموذج لعقل السلطة "المبدع"!! الذي تدعو من خلاله اللبنانيين ليثقوا بها ويطمئنوا اليها ويلازمونها على مستقبلهم وهويتهم .
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
00:00
باريس سان جرمان الفرنسي بطلا لكأس السوبر الأوروبي بعد الفوز على استون فيلا الإنكليزي ٢-١
-
23:46
حماس: ندين استهداف جيش الاحتلال مواطنين في شمال قطاع غزة ما أسفر عن ارتقاء شهيد وسقوط عدد من الجرحى
-
23:46
حماس: ما قام به الاحتلال يؤكد إصراره على إفشال مساعي الوسطاء والضامنين ومجلس السلام للوصول إلى اتفاق
-
23:46
حماس: ندعو جميع الأطراف إلى تحمل مسؤولياتها في تحقيق الهدوء والضغط على الاحتلال للالتزام بما تم الاتفاق عليه
-
23:22
أ ب عن مسؤول أميركي: الولايات المتحدة تتوقع إتمام انسحابها من #العراق بحلول 30 أيلول
-
23:22
أ ب عن مسؤول أميركي: قوات الأمن العراقية والبيشمركة وقوات أمن كردستان العراق ستقود المعركة ضد الإرهابيين
