نشرت صحيفة "الغارديان"، مقالا ذكرت فيه إن حروب اليوم في أوكرانيا وإيران وغزة ولبنان لا تهدف لتدمير البنى المادية بل لمحو التاريخ الإنساني.
وقالت ان الحروب لا تأخذ إجازات صيفية، لكنها تشعر بالإجهاد أحيانا، ومع تسابق المسيرات ذهابا وإيابا في أوكرانيا ومضيق هرمز، بدا وكأن جمودا قاتما قد اجتاح الأرض. فالقصف الجوي لا يعرف مقاومة تذكر ولا يعرف نصرا ولا هزيمة. ويبدو أن أوكرانيا وروسيا و"إسرائيل" وإيران وحلفاءهم قادرون على تحدي الدبلوماسية وإلقاء القنابل على بعضهم البعض إلى الأبد.
وعند هذه النقطة، لا يملك العالم الخارجي إلا أن يحصي بعض التكاليف، فقد أدت رغبة فلاديمير بوتين المعروفة في طمس الهوية التاريخية لأوكرانيا إلى تدمير تراثها الثقافي. وقبل أسبوعين، أفادت اليونسكو بتدمير أو بالإضرار بـ545 مبنى تاريخيا، من بينها 156 موقعا دينيا و43 متحفا.
وقالت الصحيفة إن محاولة محو ما يدعي بوتين نفسه أنه جزء لا يتجزأ من تاريخ روسيا، تدعو إلى الاشمئزاز. فقصف روسيا لمجمع دير بيشيرسك لافرا في كييف، وكاتدرائية رقاد السيدة العذراء المهيبة، بالإضافة إلى تدمير كاتدرائية القديسة صوفيا يضاهي قصف أوكرانيا للكرملين. وينطبق الأمر نفسه على قصف كاتدرائية ومتحف في أوديسا وتدمير مسرح في ماريوبول، فهذه معالم بارزة من تاريخ أوكرانيا، ومع ذلك لم تحظ بتغطية إعلامية تذكر في الغرب.
في إيران، كان من الممكن أن تنجو مدينة أصفهان الجميلة من ويلات حملة القصف التي شنها دونالد ترامب، لكن الأمر لم يكن كذلك. فقد كشف مسح أجرته رويترز في حزيران عن تدمير جزئي لساحة نقش جهان التاريخية، ومسجد وقصر الحاكم. وفي طهران، لحقت أضرار جسيمة بالقصر الملكي الفارسي في غولستان. كما أفادت اليونسكو بوقوع هجوم على قلعة عمرها 1800 عام، كانت تضم مستوطنة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، يقال إن عمرها 63,000 عام.
ولكن كانت أشد عواقب انهيار النظام في الشرق الأوسط فظاعة، هو ما ورد من أضرار أو تدمير لأكثر من 80% من مباني غزة، فقد أصبحت مدينة غزة القديمة نفسها الآن ركاما في معظمه. وقصف الإسرائيليون الجامع العمري الكبير الذي يعود للعصور الوسطى، وكنيسة القديس بورفيريوس، التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس الميلادي وتعد من أقدم المواقع المسيحية.
ودمرت أرشيفات غزة. وبحسب التقارير، فقدت مكتبة الجامع العمري والمركز الثقافي المجاور له، آلاف الوثائق القديمة التي نجت من الحروب الصليبية. كما قصف متحف القرارة من الجو ثم سوي بالأرض. وقد محي تاريخ شعب بأكمله عمدا.
أما بالنسبة للحرب الإسرائيلية على لبنان، فقد بلغت ذروتها في حزيران بما بدا أنه قصف عشوائي لميناء صور القديم. وشمل ذلك هجوما على موقع ميدان سباق الخيل الروماني. كما تضررت قلعة الشقيف التي يعود تاريخها إلى ألف عام، ومن الواضح أن الماضي قد جُرد من حقوقه.
وقال جينكنز إن المعارك الجوية تختلف عن المعارك البرية، فالجنود لديهم أهدافهم، وكذا الصواريخ لها أهدافها، لكن هذا لا يفسر قصف الولايات المتحدة لمدرسة إيرانية للبنات في شباط. والحقيقة هي أن القاذفات تتصرف بتهاون لأنها شبه منيعة، بينما يبدو ضحاياها صغارا ومجهولين. ولا تحقق القاذفات غزوا للأراضي ولا تستسلم بسلام، بل هي مظاهر لنزعة قيادية متغطرسة.
وخلال غزو الحلفاء لإيطاليا بين عامي 1943 و1945، عُرف عن ضباط بريطانيين وأمريكيين اتخاذهم خطوات لحماية آثارها من الدمار. ونتيجة لذلك، نجت المدن الإيطالية القديمة أكثر من المدن الألمانية. وفي أعقاب ذلك، بذلت جهود جادة لتطوير قواعد الحرب، بما في ذلك احترام المعالم الثقافية والتاريخية، حيث كان ينظر إلى الحرب على أنها منافسة بين المحترفين، لا بين الثقافات.
وكانت النتيجة اتفاقية لاهاي لعام 1954، واتفاقية حماية الممتلكات الثقافية لعام 1972. لكن السنوات الأخيرة، التي شهدت انهيار الحوكمة العالمية، جعلت اتفاقية لاهاي حبرا على ورق، شأنها شأن محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة، التي يفترض أنها هيئة تنظيمية أخرى.
ويبدو أن النصر اليوم يكمن في تدمير هوية العدو ومعنوياته بقدر ما يكمن في قتل شعبه. وعندما دمر تنظيم الدولة الإسلامية جزءا كبيرا من مدينة الموصل العراقية عام 2014، شرع في محو كل آثار ماضيها.
ومن هنا، كشف تهديد ترامب لإيران، بأن “حضارة بأكملها ستموت الليلة”، نهجا بدائيا مماثلا في التعامل مع الصراع.
وقالت الصحيفة إن اليونسكو هي من بين الهيئات الدولية التي تعد نشطة في توثيق مصير التراث الثقافي حول العالم، لكن التوثيق يبقى مجرد توثيق، فسردها لتدمير روسيا وإسرائيل لأعدائهما أشبه بمشاهدة مأساة تاريخية تتكشف أمام أعيننا، قد نفضل لو أنها تحدث دون علمنا.
ومن بين الأمور التي يمكن للعالم الخارجي عملها هي مساعدة من يسعون لمساعدة أنفسهم. لذا، يعد برنامج الاستجابة للأزمات التابع لصندوق الآثار العالمي بالغ الأهمية. فهو يرسل المساعدات والمشورة والمواد إلى مناطق الحرب، حتى قبل توقف القصف. وقد كان حاضرا في الموصل، ولدى صندوق الاستجابة لأوكرانيا التابع له العديد من المشاريع (26 مشروعا منها منجزة) تساعد في حماية المباني المدمّرة وتثبيتها، وربما ترميمها يوما ما.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
17:18
قيادة الجيش: قائد الجيش بحث مع وفد من "تاسك فورس فور ليبانون" الترتيبات الأمنية لاتفاق الإطار والصعوبات الناتجة عن الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المتواصلة
-
17:17
مسيّرة إسرائيلية أطلقت صاروخاً على إحدى تلال علي الطاهر في كفرتبنيت
-
17:08
الجزيرة: قصف مدفعي إسرائيلي على مناطق سيطرة الاحتلال شمال شرقي مدينة خان يونس
-
17:04
"كهرباء لبنان": مهلة 5 أيام للقطاع العام لتسديد المتأخرات والفواتير وإلا سنقطع التيار باستثناء المستشفيات الحكومية مع تفعيل الجباية وحملات نزع التعديات
-
17:02
نيويورك تايمز: الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة سينضم لكوشنر خلال زيارته لـ"إسرائيل"
-
16:38
"نيويورك تايمز": المبعوث الأميركي جاريد كوشنر يلتقي بنيامين نتنياهو خلال زيارته إلى "إسرائيل" لبحث ملف غزة
