الى كل أب وأم يبحثان عن لغة تصل الى قلب أبنائهم

24 آب 2026 الساعة 00:00
الى كل أب وأم يبحثان عن لغة تصل الى قلب أبنائهم
A- A+

إذا تأملتَ حالة البيوت اليوم، وجدت مشهداً متكرراً: أبٌ يأمر فلا يُطاع، وأمٌّ تنصح فلا تُسمع، وطفلٌ يعاند لأبسط الأسباب. لقد أصبح تمرّد بعض أطفال هذا الجيل ظاهرة تُربك المربين والآباء على حد سواء. فهل هو انحراف في التربية؟ أم أنه انعكاس لتحولات عميقة في بنية المجتمع ووسائله وثقافته؟ هل هو صراع القيم أم صرخة لطلب الفهم؟

- أولاً: عصر الخيارات المفتوحة: نشأ أبناء هذا الجيل في عالم لا يعرف الانتظار. كل شيء متاح فوراً: المعرفة، واللعب، وحتى العلاقات، فتكوّن لديهم شعور فطري بالاستقلال والاختيار.

وعندما يواجهون في البيت كلمة «لا» المجرّدة من التوضيح، يرونها قيداً لا مبرر له، فيقابلونها بالرفض والعناد. لم يعد الطفل يكتفي بالطاعة، بل أصبح يطلب أن يفهم: لماذا؟

- ثانياً: انكشاف العالم وتعدد المرجعيات: في الماضي، كان الطفل يتلقى قيمه من بيته ومدرسته وحيّه. أما اليوم، فقد اقتحمت الشاشات كل بيت، وجاءت معها قيم وأساليب حياة مختلفة، وأحياناً متضاربة، فيحدث داخل الطفل صراع خفي بين ما يتلقاه في البيت ، وما يشاهده في العالم الافتراضي، وهذا الصراع كثيراً ما يخرج على هيئة تمرّد، لأنه لا يجد من يفسّر له هذا التناقض ويقنعه.

- ثالثاً: غياب الحوار وحضور الأوامر: كثير من الآباء مشغولون، والأبناء مشغولون أكثر، فغاب الحوار العميق، وحلّت محله الأوامر المباشرة والتعليقات العابرة. والطفل كائن عاطفي قبل أن يكون عقلانياً، فإذا لم يشعر بأنه مسموع ومقدَّر، قد يستخدم التمرّد وسيلة للقول: «أنا هنا، فالتفتوا إليّ».

لذلك، فإن التمرّد في كثير من حالاته ليس رفضاً للسلطة، بل طلب للاهتمام.

- رابعاً: تحوّل مفهوم الاحترام: كان الاحترام في جيل الآباء يعني الصمت والطاعة المطلقة، أما جيل اليوم فيفهم الاحترام على أنه حوار وندية وتقدير للرأي.

فإذا تعامل المربي بالأسلوب القديم، شعر الطفل بالإهانة، وردّ بالجفاء والعناد. فالمشكلة ليست في الطفل وحده، بل في عدم تحديث لغة التربية لتواكب تغيّر المفاهيم.

التمرّد ليس دائماً علامة فساد، بل هو في جوهره رسالة تقول: «أنا أكبر من أن أُساق بالأمر وحده، أحتاج إلى من يفهمني ويقنعني». فإذا قرأ المربي هذه الرسالة بعين الفهم لا بعين الغضب، حوّل التمرّد إلى حوار، والعناد إلى استقلالية ناضجة.

إن تربية هذا الجيل لا تحتاج إلى يدٍ أقسى، بل إلى عقلٍ أوسع، وقلبٍ أرحب، ولغةٍ جديدة تخاطب عقله وتشبع عاطفته.


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration