مخاطر ومساوئ تعاطي الشأن العام في لبنان

25 آب 2026 الساعة 00:00
مخاطر ومساوئ تعاطي الشأن العام في لبنان
A- A+

لم يكن الكاتب والاديب سعيد تقي الدين على خطأ عندما قال عن الرأي العام انه بغل كبير. اذ احياناً يتحول الى قوة عمياء لا تفكر ولا تحلل. تنقاد بلا وعي ومن دون تفكير واضح ومنطقي.

لفتني في كل حفلة تعيينات، سواء وزارية او ادارية او دبلوماسية او غيرها (وركزوا على كلمة حفلة)، ان هناك من يبدأ بإطلاق الاشاعات او الخبريات ضد من ترد اسماؤهم، لدرجة انني قرأت مرة لاحد الظرفاء ما كتبه حول هذا الموضوع فقال: اذا اردت نبش سجل احدهم، او التشهير به، او بهدلته، اذكر اسمه بأنه مطروح لهذا المنصب او المركز، وسوف تقرأ عشرات التعليقات التي تنسب اليه اعمالاً واقوالاً، منها ما هو صحيح ومنها ما هو غير صحيح وكاذب.

في لبنان، الرأي العام في غالبيته مضلل. وما يساعد على التضليل هي وسائل التواصل الاجتماعي التي ترمي الاشاعات والخبريات ولا من يحاسب. ونخشى ان تكون قساوة قانون الاعلام الاخير بسببها. بعضها يستعمل الفاظاً وعبارات مهينة ضد المسؤول وضد من يتعاطى في الشأن العام والشغل العام، خصوصاً اذا كان هناك من يعمل بصدق واخلاص، واخطأ في امر بسيط جداً جداً تقوم القيامة عليه. فالمثل الفرنسي الذي نستشهد به دائماً واضح لهذه الجهة:

Celui qui ne fait rien ne fait pas d’erreur

فالذي لا يعمل لا يخطئ. ونخشى ان يضطر المسؤول الى التخفيف من نشاطه وعدم اتخاذ اي قرار في المعاملات التي ترده، خوفاً من اتهامه بالخطأ او بالرشى او بمخالفة القانون، خصوصاً وان الجهات النافذة في بلد مثل لبنان، الحزبية وغير الحزبية، لا تتوقف عن المطالبة بإنجاز معاملات مناصريها والتي قد تكون بمعظمها غير مستوفية الشروط.

منذ حوالي الخمس عشرة سنة، وفي زيارة انتخابية الى صيدا، وبحكم وجودي في قصر العدل، طلب مني الزميل العزيز اسكندر حداد زيارة زميل دراسته في المدرسة والجامعة القاضي انطوان فرحات وكان يشغل مركز مدعي عام صيدا. فوجئت بقوله انه طلب نقله ليصبح قاضياً في التفتيش القضائي، معلناً عن استيائه من بعض تصرفات المحامين والمتقاضين. مضيفاً: اذا تركت المدعى عليه تقوم القيام عليّ، واذا احلته موقوفاً امام قاضي التحقيق او القاضي المنفرد الجزائي تقوم القيامة ايضاً. اريد ان اذهب الى التفتيش لأرتاح. وهذا ما حصل وتم تعيينه في التفتيش القضائي.

وحول قساوة المواقف ضد من يتعاطى الشأن العام. كان النائب المرحوم اوغست باخوس يردد دائماً امامي بأن الرأي العام لا يرحم مهما فعل المسؤول. واحياناً يشمل جميع المسؤولين من دون تفريق ويجعلهم متساوين غير آبهين بالآية الكريمة: وهل يتساوى الذين يعلمون والذين لا يعملون؟. وكنت اراقب طوال مدة وجودي معه في المكتب والتي تجاوزت الثماني والثلاثين سنة، كيف كان يتابع شؤون ابناء منطقته في المتن الشمالي من دون كلل او ملل. وكانت لديه عادة معروفة وهي الطلب من طالب الخدمة ان يرافقه الى المرجعية المختصة ليسمع بنفسه الجواب، وما اذا كانت معاملته قانونية ام لا. وفي هذا المجال، كان احد ابناء المنطقة محتجزاً في اواخر الثمانينات في العراق. فذهب مع والده للقاء السفير في مركز السفارة في يسوع الملك، وهي الفيلا العائدة حالياً للسيدة النائب ستريدا جعجع. واجتمعا مع السفير، الذي ابلغهما ان هناك حكماً قضائياً بحق الشاب. وبعد اتفاق الطائف، قامت مظاهرة تحت مكتبنا قبل تفجيره، وكان الوالد على رأس المظاهرة. واذا دخلنا في باب الامثلة، فهناك الآلاف منها على مر السنوات. فالقاضي السابق عباس الحلبي، المعروف بوطنيته واعتداله وصدقه وشفافيته، عُين وزيراً للتربية. وكان كلما اتخذ قراراً مهما كان نوعه، نجد من يؤيده ويمدحه، ومن يلصق به عبارات مهينة هو بغنى عنها لو لم يكن وزيراً.

والامر ذاته يحصل حالياً مع وزير الدفاع اللواء ميشال منسى. فأنا اعرفه منذ اكثر من اربعين سنة يوم كان لا يزال ملازماً في الجيش اللبناني، وكنا نزوره في قاعدة المطار لانه ضابط طيار، ونزوره في منزله في زوق مصبح لنودعه يوم كان يخضع لدورات اركان في ايطاليا، ونستقبله لدى عودته. وكنا نلقبه بقديس الجيش اللبناني. وكذلك في حياته الخاصة الجميع يحبه ويحترمه. وهو غير تابع لاحد وكان في العهد الماضي سيُعين وزيراً للدفاع ولم ينجح الامر، فعينه الرئيس الحالي وزيراً للدفاع وهو الذي يعرف شفافيته وكفاءته. طلب منه التوجه الى إيران لتقديم التعازي بوفاة المرشد. انتقوا له صورة يبدو فيها حزيناً لان الانسان يمر خلال فترة دقيقة بتعابير على الوجه يبدو فيها مبتسماً او متجهماً او عابساً او حتى كأنه يبكي. ليبدأ البعض باستعمال مئات العبارات المهينة بحقه وكأنه احد اقرباء المرشد. ولانه حصل سوء تفاهم بخصوص القاء كلمة في البرلمان، قامت القيامة عليه واستعملوا ضده الالفاظ النابية وبسخرية لا مبرر لها على الاطلاق. وعندما التقى الرئيس سلام في الجنوب، عادت السخرية وكأنه كان يقوم بتمثيلية للاعراب عن محبته للجيش اللبناني.

نعم. هذه هي مخاطر ومساوئ تعاطي الشأن العام في بلد مثل لبنان، كيفما تصرف المسؤول الآدمي (وانا اتكلم في هذه المقالة عن الأوادم واصحاب الكفاءة وليس عن غيرهم)، سوف يلصقون به النعوت التي تدل على سوء تربية المعلقين بحيث باتت وسائل التواصل الاجتماعي تفضحهم وتفضح سوء تفكيرهم وسخافتهم.

فهل المطلوب من اصحاب الكفاءة والصادقين الابتعاد عن تحمل المسؤوليات. وهل يكون التطنيش مفيداً في مثل هذه الحالات.

نقيب المحامين في بيروت سابقاً


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration