
بعد أكثر من ستة عقود على صدور قانون المطبوعات عام 1962، دخل لبنان مرحلة تشريعية إعلامية جديدة، بعدما أقرّ مجلس النواب في 11 آب الجاري قانون الإعلام الجديد، الذي وقّعه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أول من أمس الخميس، وسط جدل لم ينتهِ بين المؤيدين والمعارضين، واعتراضات من جهات نقابية وإعلامية وحقوقية على عدد من مواده.
فعلى الرغم من الإصلاحات التي تضمنها القانون، بقي الخلاف قائماً حول بعض البنود التي يعتبر معارضوها أنها قد تشكل قيوداً على حرية الصحافة، وفي مقدمتها المادة 104، وتحديداً الفقرتان «ب» و«ج»، اللتان تحولتا إلى العقدة الأبرز في النقاش الدائر حول القانون الجديد.
ومن أبرز حسنات القانون تنظيم الإعلام الرقمي والاعتراف بالمواقع والمنصات الإلكترونية الإخبارية ووضع إطار قانوني لعملها، إضافة إلى منع التوقيف الاحتياطي في جرائم الإعلام، وإبعاد المحاكم الاستثنائية، ومنها المحكمة العسكرية، عن النظر في قضايا النشر، فضلاً عن تكريس مجموعة من الضمانات المرتبطة بالعمل الإعلامي وحماية سرية المصادر.
لكن في المقابل، تتركز أبرز الاعتراضات على إبقاء عقوبات سالبة للحرية في بعض الحالات، ولا سيما ما نصت عليه الفقرة «ب» من المادة 104، التي تعاقب كل من يتعمد اختلاق الأضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة تتراوح بين خمسة أضعاف وخمسة عشر ضعفاً للحد الأدنى للأجور، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ولا تتوقف الإشكالية عند الفقرة «ب»، إذ تنص الفقرة «ج» على تشديد العقوبة إلى الأشغال الشاقة إذا أدت هذه الأفعال إلى نتائج جسيمة من قتل أو إيذاء أو تعطيل كلي أو جزئي أو تدمير كبير في الممتلكات العامة أو الخاصة.
ويرى المعترضون أن عبارات من نوع «اختلاق الأضاليل» و«الأخبار الكاذبة والمؤذية» تفتح مجالاً واسعاً أمام التفسير القضائي لتحديد ما إذا كان المنشور موضوع الملاحقة يندرج ضمن هذه الأوصاف، وهو ما أثار مخاوف نقابية وحقوقية من إمكان استخدام المادة بصورة تنعكس سلباً على حرية العمل الصحافي.
وقد دفعت هذه المسألة نقابتي الصحافة والمحررين وجهات إعلامية وحقوقية إلى المطالبة بإعادة النظر في المادة 104، وخصوصاً الفقرتين «ب» و«ج»، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية الواردة فيهما.
وفي هذا السياق، أوضحت مصادر قانونية لـ«الديار» أن المرحلة المقبلة تتطلب تحركاً نيابياً لإقرار تعديلات تعالج الثغرات والمواد التي أثارت الجدل، بالتنسيق مع وزير الإعلام والكتل النيابية، وفي مقدمها المادة 104، بما يحول دون المساس بالضمانات التي يفترض أن يتمتع بها الصحافيون خلال ممارستهم عملهم.
وبعد توقيع الرئيس عون القانون، برزت معلومات عن اتجاه لدى بعض النواب والجهات النقابية والإعلامية نحو الطعن به، والعمل على تأمين العدد النيابي المطلوب لذلك، فيما برز في المقابل اتجاه آخر يدعو إلى عدم تعطيل القانون برمته، بل الذهاب سريعاً إلى تعديل المواد موضع الاعتراض.
وفي هذا الإطار، قال النائب وضاح الصادق لـ«الديار»: «لن نطعن بالقانون بالتوافق مع رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الإعلام، بل سنقدّم التعديلات العشرين التي نالت التصويت عليها قبل أن يُحكى بالقانون، واليوم نقوم بتحضيرها من جديد كي ندخل ضمنها بمشروع قانون معجّل مكرّر، وهو أفضل بكثير من أن يتوقف القانون، وعندها يشارك النواب المؤيدون لذلك».
ويتقاطع موقف الصادق مع المسار الذي أعلنه وزير الإعلام بول مرقص، الذي كان قد سجّل اعتراضه على الفقرتين «ب» و«ج» من المادة 104، مؤكداً أن العمل سيستمر لتطوير القانون وإدخال التعديلات النقابية والإعلامية التي لم يأخذ بها مجلس النواب، وفي طليعتها إلغاء أي حبس للصحافيين.
وكان مرقص قد أعلن، عقب إقرار القانون، أنه سيعمل على إعداد مشروع قانون يتضمن التعديلات المتبقية، بما فيها إلغاء الفقرتين المذكورتين من المادة 104، معتبراً أن إقرار القانون يشكل خطوة أساسية، لكن ذلك لا يمنع استكمال العمل لتحسينه ومعالجة الثغرات التي بقيت فيه.
وبذلك، يبدو أن المواجهة حول قانون الإعلام انتقلت من مرحلة الاعتراض على إقراره إلى مرحلة جديدة عنوانها «تعديل القانون من داخله»، بدلاً من إسقاطه بالكامل، على أن تكون المادة 104 أولى ساحات هذا الاختبار التشريعي.
وإلى جانب الصادق، عارض النائب جبران باسيل القانون، فيما أيّد النائب جورج عقيص إدخال تعديلات عليه، كما أبدى عدد من النواب تحفظات وملاحظات خلال النقاش، بينهم علي حسن خليل وإبراهيم الموسوي وحسين الحاج حسن وآلان عون، إضافة إلى نواب مستقلين وتغييريين.
ويبقى السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة: هل يتمكن مجلس النواب من إقرار التعديلات سريعاً وإلغاء العقوبات السالبة للحرية، أم تتحول المادة 104 إلى عنوان مواجهة جديدة بين السلطة التشريعية والجسم الإعلامي والحقوقي؟











/file/attachments/2392/808931.jpeg)
دقيقتين قراءة/file/attachments/2392/846333.jpg)
/file/attachments/2392/166214.jpg)
/file/attachments/2392/292030.jpg)
/file/attachments/2392/714759.jpg)
/file/attachments/2392/190745.jpeg)






