الدولة المدنيّة بين فؤاد شهاب والإمام الصدر و «الحراك الشعبي»

30 آب 2026 الساعة 21:49
الدولة المدنيّة بين فؤاد شهاب والإمام الصدر و «الحراك الشعبي»
A- A+

عندما يسترشد المتابع السياسي «لفكرة الدولة» في لبنان، يستوقفه تقشف من سعوا إلى بناء دولة مدنية وعادلة وقادرة، ولم تسمح الظروف بأن يصلوا إلى مبتغاهم. من هؤلاء اللواء فؤاد شهاب، الذي لم يقع في إغراءات السلطة ومفاسدها، وكان على رأس السلطة السياسية، وحاول إحداث التغيير من فوق، بالاستعانة بالمؤسسة العسكرية وإقامة المؤسسات وتحريرها من وصاية القوى الطائفية النافذة. وغادر الحكم فقيرا مديونا. غير أنه أورثنا «مدرسة الشهابية السياسية»، التي يمكن اعتبارها منهلا لعمل النخب الفكرية غير الطوائفية، لبناء حاملة شعبية تعزز المشترك بين اللبنانيين، على قاعدة التنوّع والتعدد، الذي هو في العمق عنصر غنى للبنان، لا للتقاسم السياسي والطوائفي.

وفي الكلام على التجربة الشهابية، يحضر إلى الذهن مباشرة دور وزير الخارجية السابق الدكتور فؤاد بطرس، الذي رافق شهاب في السلطة، ودور الدكتور شارل رزق الذي حاول عبر محاضراته في الأطراف اللبنانية وفي المدن، حماية الإنجازات الشهابية بانتزاع القاعدة الشعبية من الإقطاع السياسي بكل تلاوينه الطائفية. ومع الاثنين كان هناك دور توجيهي ومن بعيد للإصلاحي الدكتور موريس الجميّل. إنما الإنجاز الأهم لـ «الشهابية السياسية»، فهو ربط الأطراف اللبنانية بالمركز بيروت، عبر بناء المدارس وشق الطرق وإيصال الكهرباء ونقلها من العتمة إلى الضوء، كما كان يردد جان عبيد.

المحطة الثانية لبناء الدولة، جاءت من الإمام السيد موسى الصدر من خارج السلطة، الذي كان بدوره متقشفا وزاهدا، ويتّصف بثقافة عميقة دينية وغير دينية، والذي حاول تحديث التجربة الشهابية ومعرفة ثُغرها. وكان صادقا وجازما في اعتبار الطائفية السياسية، علّة النظام السياسي في لبنان، وأن مواجهتها الفعلية هي في قيام «متّحد اجتماعي» لبناني، في مواجهة «قلّة طوائفية» تحتكر السلطة. وهو كان مدركا أن النظام السياسي الطوائفي لا يسقط بسهولة، ما لم يتم بناء القاعدة الشعبية من كل المكوّنات اللبنانية.

ومن هنا، كان تركيزه الأساسي على المسألة الاجتماعية، أي السكن والبطالة والفساد والهجرة وأحزمة البؤس وتحقيق العدالة الاجتماعية وعلى المسألة الفكرية. فأقام الندوات في الكنائس والجوامع والجامعات، وتواصل مع المفكرين وأصغى إليهم واخذ بمشورتهم، وعلى فكرة المواطنة، أي رفض المواطنة الطوائفية، وتكريس المواطنة في وطن لا المواطنة في طائفة. ما يفترض إلغاء السقوف المتعددة للمواطنية. وعلى الاعلام الذي ينبغي أن تكون وظيفته البناء لا الهدم. وعلى «التغيير» في لبنان الذي يستحيل أن يقتصر على طائفة واحدة أو على ثنائية طوائفية، وحتى على ثلاثية طوائفية، وإنما إلى بناء شعبي عريض. وعلى أن «القاسم المشترك بين المسيحية والاسلام هو الإنسان، الذي هو هدف الوجود وبداية المجتمع والغاية منه والمحرك للتاريخ».

لكن فاجأت الحرب الامام موسى الصدر، فاعترض على شعار عزل «الكتائب»، باعتبار أنه ينتهي بعزل المسيحيين. وأخذ موقفا ضد الحرب الأهلية، ودعا إلى وقفها. كما دعا الناس إلى مشاركته في الاعتصام والتحريض على الاعتراض على الحرب ودعاتها. كما تحفّظ على «مشروع الحركة الوطنية» لاسقاط النظام، باعتبار أن التغيير لا يمكن أن يتم في ظل فتنة أهلية.

وحاول مع مراجع سياسية والمراجع الدينية تحييد لبنان عن الصراعات العربية-العربية على أرضه، كونه يدرك أن ذلك هو المنفذ لـ«اسرائيل» إلى الداخل اللبناني، لتفتيته وإثارة النزاعات فيه وإقامة الكانتونات. وأما المشكلة الكبرى فكانت في تغييبه في ليبيا بقرار كبير، شاركت فيه أكثر من جهة، بهدف ترك لبنان ساحة للصراعات المستمرة، ومتنفّسا للأزمات ولحروب الآخرين.

كذلك من الشخصيات المتقشفة التي وضعت نفسها في خدمة الناس، من دون ضجيج ومن دون أي دور طائفي، هو المطران غريغوار حداد، الذي أنشأ أول مستوصف لبلدة نائية هي الهرمل، ومعه نادي اجتماعي ومكتبة عامة وتعاونيات، واشتغل على القيم الجامعة بين اللبنانيين وبين الفكر العلماني والديني، وأسس «الحركة الاجتماعية» التي كان من الفاعلين فيها وزير الثقافة الحالي الدكتور غسان سلامة.

اتّسم الثلاثة: الجنرال فؤاد شهاب والإمام موسى الصدر والمطران غريغوار حداد بالصبر والبصيرة وبُعد النظر، ورهانهم على الشعب كان في مكانه. والدليل أن الحراك الشعبي في العام 2019 تجاوبت معه كل المكوّنات الشعبية بمئات الألوف. إنما نقطة الضعف فيه (الحراك) كانت ممن اعتبروا أنفسهم قيادته من دون رؤية سياسية، وفي اعتقادهم الخاطئ أنهم بديل الطبقة السياسية، وفي حسابهم أن «النظام السياسي يسقط اليوم لا غدا». فتصيّدهم أهل السلطة كما الخارج الدولي. وهؤلاء لا يتّصفون بالتقشف ولا بسعة البصيرة ولا الصبر، وإن كان من بينهم من هو صادق النيّة وليس مغامرا.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration