موسكو وبكين في معادلة العقوبات على إيران واحتمالاتها

31 آب 2026 الساعة 23:09
موسكو وبكين في معادلة العقوبات على إيران واحتمالاتها
A- A+

تحوّلت الضغوط الأميركية على ايران، إلى ضغوط على دول العالم مجتمعة ، ما لم تكسر تعاملها المالي والاقتصادي والنفطي والسياسي مع طهران. وهذه "سابقة" في تاريخ العلاقات الدولية، وتتم من خارج القانون الدولي ومجلس الأمن. ما يعني أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر الولايات المتحدة الأميركية هي سيدة العالم، وأنه لا يريد أن يعطي فرصة لروسيا والصين في السعي إلى قطبيّة دولية متعددة، توفّرها في التقدير الروسي والصيني العلاقة الشديدة التوتر بين واشنطن وطهران ، والتي تفتح آفاقا جديدة على المستوى الدولي.

لا شك أن عددا لا يستهان به من الدول يعصى على التجاوب مع رغبة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في عدم التعامل مع ايران، ويعتبر ذلك مدخلا لتوسيع "شبكة بريكس"، والخروج من التعامل الأحادي مع الدولار الأميركي. حتى أن بعض الدول المحسوبة على الولايات المتحدة الأميركية، مثل تركيا وباكستان والامارات العربية المتحدة، أجرت اتصالات بالادارة الأميركية، لمنحها استثناءات من العقوبات.

أما موسكو فإنها تعرف حدود فعل الحصار الاقتصادي لايران، وهي مستفيدة منه عمليا، لأنها توسّعت في تصدير نفطها نحو الصين والدول الآسيوية، لكنها تعرف بأن واشنطن تحتاجها لدور الوسيط مع ايران، لايجاد "مخرج" معقول "لمضيق هرمز" ولفتح المفاوضات. وهي تنتظر الاشارة الأميركية، ولن تتورّط في عدم التعامل مع ايران، خصوصا وأن هناك تشابكا بين الحرب الأميركية- الايرانية والحرب الروسية- الأوكرانية. وروسيا غير ضامنة إلى الآن، أن هناك تحوّلا فعليا أميركيا عن دعم أوكرانيا ورئيسها، أو ممارسة ضغوط على الدول الأوروبية، التي تعتبر كييف رأس الحربة الأوروبية في المواجهة مع روسيا.

وفي هذا السياق، ينبغي رصد نتائج اللقاء الذي تمّ بين رئيس المخابرات الأميركي (سي.آي.إي.) جون راتكليف، ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين. فكل ما قيل عن هذا اللقاء كان غامضا، ولا يعطي أجوبة. فالمتحدث الرسمي باسم الكرملين ديميتري بيسكوف رأى أن التواصل بين أجهزة الاستخبارات في البلدين، حتى في أصعب لحظات العلاقات الثنائية هو أمر جيد. وهو ما صرّح به مرارا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. علما بأن رئيس المخابرات الخارجية الروسية ناريشكين، وصف اللقاء بأنه ناقش مسائل "حساسة" و"محددة" للغاية، من دون أن يوضح أي شيء.

واضح أن ما يهم رئيس السي.آي.إي من اللقاء، كان العلاقات الروسية-الايرانية، ووقف إمداد روسيا لايران بالسلاح والمعلومات. أما رئيس المخابرات الخارجية الروسية فكان همّه تفعيل العلاقات الأميركية-الروسية ،للضغط على أوكرانيا والدول الأوروبية.

إنما يبقى الجواب الحقيقي لدى ترامب، الذي أشار إلى "أن ثمة علاقة جيدة للغاية بين الرجلين راتكليف وناريشكين". والسؤال إلى أي اتجاه تفضى علاقة الرجلين؟ هذا الأمر يستدرج إلى تساؤل حول تعليق الدكتور رامي الشاعر، المستشار في وزارة الخارجية الروسية، وهو تعليق غامض: "لا يوجد أي تنسيق بين روسيا والولايات المتحدة في أي من الملفات الدولية أو الاقليمية، وفقا لما تحاول الإدارة الأميركية إيهام العالم به، ولما تحاول بعض وسائل الاعلام ترويجه. هناك تبادل لوجهات النظر، التي تبدو حتى اللحظة على طرفي نقيض، وبحاجة لمزيد من العمل الديبلوماسي والسياسي".

واضح أن الحسابات الروسية ترتكز إلى "معادلة الربح والخسارة"، استنادا إلى قراءة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للرئيس ترامب في حساباته، في كتابه "فن الصفقة" وتطبيقاته في العلاقات الثنائية، أي ان المقاربة الروسية هي مقاربة براغماتية، ولا ترتكز إلى بُعد أيديولوجي، كما كان عليه الوضع في الاتحاد السوفياتي، وإنما يحكمها حتما البعد الإستخباراتي.

يبقى أن بكين هي "مركز الثقل" حاليا، لأنها لن تنحاز إلى مواقف حادة، سواء مع واشنطن أو مع طهران، وتبقى على مسافة مدروسة، فهي تعرف إلى حدود معيّنة أنها رقم اقتصادي ومالي وسياسي صعب، ما يجعل واشنطن أكثر من مترددة في شملها بالعقوبات الدولية، نتيجة تعاملها المتعدد الأوجه مع طهران.

كل ذلك مردوده "العض على الأصابع" بين واشنطن وطهران. والإنتظار سيد الموقف، ذلك أن العاصمتين تُزاوجان بين خياري الحرب والديبلوماسية، ما يفضي حكما استنادا إلى منطق المفكر الألماني جورج فيلهلم فريدريتش هيغل إلى "حل وسط"، وهو حل ليس بالبعيد. إنما ذلك لا يحول دون مواجهات عسكرية محدودة ومدروسة، وتفلّت اسرائيلي عسكري في سوريا ولبنان وغزة والضفة... إضافة إلى اللجوء إلى اغتيالات.


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration