معالي الوزير بول مرقص… صنعتم الإصلاح فاجعلوا من مراجعته تمامَه

2 أيلول 2026 الساعة 00:00
معالي الوزير بول مرقص… صنعتم الإصلاح فاجعلوا من مراجعته تمامَه
A- A+

ليس المطلوب اليوم إسقاط قانون الإعلام الجديد، ولا تصوير إقراره وكأنه خطأ تشريعي كامل. على العكس، يأتي القانون بعد نحو أربعة وستين عامًا على صدور قانون المطبوعات في 14 أيلول 1962، في وقت لم يعد فيه الإطار التشريعي قادرًا على استيعاب عالم تغيّر بالكامل: الصحافة الإلكترونية، المنصات الرقمية، شبكات التواصل، اقتصاد الإعلان الجديد، والتداخل المتزايد بين الإعلام والسياسة ورأس المال والتكنولوجيا.

لذلك كان إقرار قانون جديد ضرورة فعلية، وإنشاء هيئة وطنية ناظمة، وإدخال الإعلام الإلكتروني إلى الإطار التشريعي، وتنظيم الملكية والتمويل وحق الرد وحماية المصادر، خطوات إصلاحية مهمة.

لكن قيمة الإصلاح لا تُقاس فقط بما يضيفه القانون، بل أيضًا بما إذا كان قد أغلق الأبواب التي يمكن أن يعود منها التضييق على الحرية. وهنا تبدأ الحاجة إلى مراجعة بعض المواد، لا بوصفها معركة مع القانون، بل باعتبار المراجعة استكمالًا طبيعيًا للإصلاح.

والدليل أن الدعوة إلى المراجعة لا تأتي فقط من منتقديه. فالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، في رأيها الصادر في 10 تموز 2026، وصفت القانون بأنه «خطوة إيجابية ومتقدمة نحو تحديث التشريع الإعلامي اللبناني»، لكنها أشارت إلى «عدد من الثُغر الجوهرية التي تستوجب المعالجة» قبل إقراره بصورة نهائية، بما يحمي حرية التعبير واستقلالية الإعلام وتعدديته.

معالي الوزير، أنتم أنفسكم أعلنتم أن من بين التعديلات التي ستعملون على تقديمها حذف الفقرتين «ب» و«ج» من المادة 104، والتنسيق مع الحكومة والكتل النيابية لإدخال تحسينات على القانون. وهذا يجعل المراجعة امتدادًا لمسار الإصلاح نفسه، لا انقلابًا عليه.


المادة 104 هي البداية

الأكثر حساسية


لا أحد يعترض على مواجهة الأخبار الكاذبة والتضليل، لكن مكافحة التضليل شيء، وتجريم الخطأ الصحافي أو المعلومة غير الدقيقة بصياغات واسعة شيء آخر. فالهيئة الوطنية لحقوق الإنسان اعترضت تحديدًا على إدخال عبارة «اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة» في المادة 112 المتعلقة بالتحريض على الكراهية والتمييز، معتبرة أن نشر معلومة غير صحيحة لا يعني تلقائيًا وجود تحريض على الكراهية أو التمييز أو العنف.

وهنا يجب أن يكون الفرق واضحًا بين الخطأ المهني غير المقصود والتضليل المتعمد. ماذا لو نشر صحافي تحقيقًا عن شبهة فساد استنادًا إلى وثائق صحيحة في جوهرها، لكن تعذر عليه إثبات كل عناصر الواقعة بصورة نهائية؟ ماذا لو كان أحد التفاصيل غير دقيق، أو كانت المعلومة صحيحة في جوهرها لكنها ما زالت قيد التطور؟

المطلوب ليس إعفاء الصحافي من المسؤولية، بل جعلها متناسبة وقابلة للتوقع، ومعاقبة من يتعمد اختلاق الوقائع بقصد الإضرار، لا تحويل كل خطأ أو نقص في المعلومات إلى خطر جزائي. ويمكن معالجة التضليل، حيث لا تتوافر أركان جريمة واضحة، بالتصحيح وحق الرد والتحقق والتثقيف الإعلامي.

وتتصل بذلك المادة 106، التي رأت الهيئة أنها قد تعيد عددًا من منازعات النشر إلى القضاء الجزائي. فمجرد ادعاء المتضرر أن مادة إعلامية كاذبة أو تشهيرية أو افترائية قد يصبح مدخلًا إلى دعوى جزائية.

وهذه ليست مسألة تقنية. فالمؤسسة النافذة أو الشخصية السياسية أو الاقتصادية قد لا تحتاج إلى الفوز بالدعوى؛ يكفي أن تضع الصحافي أمام مسار قضائي طويل ومكلف حتى يفكر مرتين قبل فتح ملف جديد. لذلك يجب أن تكون المسؤولية المدنية هي الأصل في منازعات النشر، وأن تبقى الاستثناءات الجزائية ضيقة ومحددة.

أما حظر النشر، فقد اعترضت الهيئة على الإحالة العامة إلى «كل ما يخالف القوانين المرعية الإجراء»، لأنها تجعل حدود المنع غير واضحة وقابلة للتوسع في التفسير. الصحافي يجب أن يعرف حدود حريته قبل أن ينشر، لا بعد أن ينشر. ولهذا ينبغي تحديد حالات حظر النشر بصورة واضحة وحصرية، بما ينسجم مع الشرعية والضرورة والتناسب، مع حماية الأمن الوطني حيث يوجد ضرر فعلي ومحدد، وسرية بعض الإجراءات، وخصوصية الأفراد، وهوية القاصرين وضحايا الاعتداءات الجنسية والبيانات الشخصية.


ثم تأتي ملكية وسائل الإعلام

وسوق الإعلان


لقد حقق القانون تقدمًا مهمًا في شفافية الملكية والتمويل، لكن معرفة المالك الظاهر لا تكفي لحماية التعددية. المطلوب كشف المالك الحقيقي والمصالح الاقتصادية المتقاطعة ومصادر التمويل غير المباشرة، لأن مجموعة اقتصادية واحدة قد تجمع بين ملكية مؤسسات إعلامية والسيطرة على جزء من سوق الإعلان.

ومن هنا أهمية ملاحظة الهيئة بشأن المادة 74 وحذف النص الذي يحظر الحصرية في نشاط وساطة الإعلانات. فالإعلان مصدر أساسي لتمويل معظم المؤسسات الإعلامية، وتركيزه في أيدي عدد محدود من الفاعلين قد يضعف المؤسسات الصغيرة والمستقلة والناشئة، ويمنح من يسيطر على السوق الإعلانية قدرة غير متناسبة على التأثير في استقلالية الإعلام.

المطلوب ليس تخويف رأس المال من الاستثمار في الإعلام، بل منع تحوّل الاستثمار إلى احتكار. فالشفافية وحدها لا تكفي إذا سمح السوق بتركيز النفوذ.

أما الهيئة الوطنية للإعلام، فهي من أهم إصلاحات القانون، وفي الوقت نفسه من أكثرها حاجة إلى التحصين. وجود هيئة مستقلة أفضل من أن تكون السلطة التنفيذية هي المنظم المباشر للقطاع، لكن الاستقلال لا يصنعه النص وحده. يحتاج إلى آلية تعيين شفافة تقوم على الكفاءة، واستقلال مالي فعلي، ومنع تضارب المصالح، وقرارات معللة، ونشر الحسابات، وتدقيق مستقل، وإمكان الطعن أمام القضاء.

فكلما اتسعت صلاحيات الهيئة، وجب أن تكون الضوابط المفروضة عليها أوضح. والسؤال ليس فقط: هل الهيئة مستقلة؟ بل أيضًا: من يراقب استقلال الهيئة نفسها؟

وهناك ضرورة كذلك لحماية حق الإعلاميين في التنظيم والتمثيل المهني، من دون أن تتحول التعددية النقابية إلى أداة لتفتيت الجسم المهني أو إعادة توزيع النفوذ السياسي داخله.


وماذا بعد توقيع رئيس الجمهورية؟


هنا يجب التفريق بين المسارين التشريعي والدستوري. فالدستور يتيح، ضمن شروطه، مراجعة المجلس الدستوري في دستورية القوانين من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وعشرة نواب على الأقل. لذلك، إذا توافرت أسباب جدية للطعن، يمكن لعشرة نواب على الأقل التحرك بمراجعة دستورية مركزة في المواد التي تمس وضوح النص الجزائي وحرية التعبير والتناسب بين الفعل والعقوبة، بالتوازي مع اقتراح قانون تعديلي يعالج المواد التي تحتاج إلى تحسين تشريعي.

أما العريضة النيابية، فيمكن أن تكون مدخلًا لعقد جلسة استماع تضم وزارة الإعلام، ونقابتي الصحافة والمحررين، والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، وخبراء القانون الدستوري وأهل المهنة، وصولًا إلى نص تعديلي محدد.

وفي كل الأحوال، يجب احتساب أي مهلة للطعن انطلاقًا من التاريخ القانوني لنشر القانون في الجريدة الرسمية، لا من تاريخ توقيعه فقط.

في النهاية، السؤال ليس:

هل نحن مع قانون الإعلام أم ضده؟


السؤال الحقيقي: هل نريد قانونًا حديثًا ينظم الإعلام ويحمي المجتمع، أم قانونًا حديثًا يحمل في داخله أدوات يمكن أن تستخدم، في ظروف سياسية مختلفة، لتقييد الإعلام؟

الإجابة واضحة: نريد القانون، لكننا نريده قويًا في مواجهة التضليل من دون أن يكون سيفًا على الصحافي، شفافًا في الملكية من دون أن يسمح بتركيز النفوذ، مستقلًا في هيئته الناظمة من دون أن ينشئ مركز قوة جديدًا، ومنظمًا للإعلام الرقمي من دون أن يتحول التنظيم إلى رقابة سياسية.

معالي الوزير، أنتم دفعتم باتجاه إخراج قانون إعلام حديث إلى النور. لستم مطالبين بالتنصل من إصلاح أقررتموه، والنواب الذين صوتوا عليه ليسوا مطالبين بالاعتراف بأن المشروع كله كان خطأ، ووزارة الإعلام ليست مضطرة إلى الدفاع عن كل مادة فيه.

يكفي أن يُقال إن التشريع كان خطوة تاريخية، وإن بعض الصياغات لم تكن الأفضل، وإن إصلاحها اليوم أكثر شجاعة ومسؤولية من اكتشاف آثارها بعد سنوات.

فقيمة ما أنجزتموه لا تتراجع إذا قلتم إن بعض مواده تحتاج إلى مراجعة؛ بل لعلها تكتمل بذلك وقد قلتم ذلك مشكورين.

فالقوانين الجيدة لا تُقاس بقدرة المشرّع على الدفاع عن كل مادة فيها، بل بقدرته على تعديل المادة التي يتبين أنها تحتاج إلى تعديل.

معالي الوزير، لقد صنعتم الإصلاح، فاجعلوا من مراجعته تمامَه.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration