في إنصاف مُقاربة عون لإنقاذ «الوطن الصغير»

14 أيلول 2026 الساعة 00:00
في إنصاف مُقاربة عون لإنقاذ «الوطن الصغير»
A- A+

يحاول الرئيس العماد جوزاف عون العبور بلبنان إلى شاطئ الأمان، بظروف صعبة داخليا واقليميا ودوليا، وهو لا يستكين في محاولته هذه. فهو عندما أخذ بخيار المفاوضات اللبنانية-»الاسرائيلية»- الأميركية، ربطه بخطوط حمر، وثوابت لبنانية نهائية، أساسها الإنسحاب العسكري الاسرائيلي من الجنوب اللبناني، وحفظ السيادة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، وإعادة إعمار الجنوب اللبناني، وتحرير الأسرى، وحصر السلاح بيد الدولة. هذه المسائل هي موضوع إجماع لبناني، كونها تؤسس لقيام دولة عادلة، وقادرة على رسم خريطة الطريق لتحقيقها عبر خطاب القسم.

وينبغي أن نعترف، أن لبنان كان متروكا على «حافة الطريق»، وميؤوسا منه عربيا ودوليا، قبل أن يضعه الرئيس العماد جوزاف عون في صلب الاهتمام الديبلوماسي، وتنافس واشنطن وباريس والرياض والقاهرة وطهران وأنقرة على أدوار فيه. فلبنان في موقعه الجيو سياسي عنصر مهم، وهو بوصلة المنطقة في استقرارها وفي خرابها. وهذه ناحية يعرفها جيدا الرئيس اللبناني، الذي راعى أدوار هذه العواصم مجتمعة في جوانبها الايجابية نحو لبنان، وأعطى موقعا متقدما لواشنطن بينها، كونه يدرك أنها العاصمة الأساس التي يمكنها أن تشكّل عنصر ضغط حقيقي على «اسرائيل»، التي تطمع بتوسّع جغرافي في لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية، وبهيمنة سياسية واقتصادية على المنطقة. ومما لا شك فيه أن الرئيس عون مصيب في حساباته، رغم «الملاحظات» التي يسوقها البعض مسبقا عن حسن نية غالبا.

لقد انتزع الرئيس عون تحفّظات المملكة العربية السعودية على الأداء اللبناني، وحوّلها إلى التعاطي بايجابية، وإلى طرح فكرة الشراكات الاقتصادية والمالية مع لبنان، وإلى فتح الأسواق السعودية أمام المنتجات اللبنانية، وإلى انفتاحها على المكوّنات اللبنانية، وعلى دور عربي فاعل مستقبلا في لبنان من منطلق قومي عروبي، تأسيسا لفكرة أن «الوطن الصغير» امتداده وانتماؤه الفعلي، هو «للداخل العربي» الواسع.

واضح أن الرئيس جوزاف عون التزم «بحياد إيجابي» بين تركيا واليونان، وبين ايران وجيرانها الخليجيين، وبحوار داخلي لبناني، لمعالجة كل الخلافات، وبتجنّب أي فتنة أهلية تكون مدخلا لنفاذ «اسرائيل» إلى الداخل اللبناني، وبرفض فكرة «الكانتونات» والدويلات، وبمعرفة الاستعصاءات التي تواجه المسار اللبناني- «الاسرائيلي»- الأميركي حاليا، قبل الانتخابات «الاسرائيلية» وحدود الضغط الأميركي. وأيضا الاستعصاءات التي تواجه المسار الأميركي- الايراني.

وهو لا يمانع الأخذ في هذا المسار الأخير، إذا كانت نتائجه إيجابية في تحقيق ما يصبو إليه من ثوابت لبنانية وخطوط حمر، على قاعدة المثل الشعبي الذي يقول «لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم». وأما رهانه الداخلي الفعلي، فهو على المؤسسة العسكرية اللبنانية، التي كان دورها حاسما في حفظ لبنان خلال الحرب الأهلية في العام 1958، وإرساء مؤسسات الدولة في مرحلة الشهابية السياسية، وهو ليس بعيدا عنها. ومن هنا، قيام تنسيق حقيقي وفعلي وبعيد المدى مع المؤسسة العسكرية وقائدها العماد رودولف هيكل، الحريص على السلم الأهلي والحذر في كل خطوة يخطوها، وهو حذَر في مكانه.

لبنان هو الآن على مفترق الطرق، والحفاظ عليه هو مهمة كل اللبنانيين لا الرئيس عون وحده، ومن معه من يشاركه مخاوفه في السلطة وخارجها، وفي المؤسسة العسكرية الضمانة النهائية.

من هنا، إنصاف ما يقوم به الرئيس العماد جوزاف عون أكثر من مطلوب لبنانيا، تجنّبا لخطوات خاطئة تقود «الوطن الصغير» في مسارات معتمة ومظلمة، إذ يبقى الجنوب عبر بوابة النبطية التي زارها، في صلب توجّه الرئيس ومحط اهتمامه الأساسي. فلنكن جميعا معه ومع «الوطن الصغير».

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration