
بغلاف أنيق يوحي بغنى المضمون، مع طباعة راقية من قلم مداده الذاكرة والحنين، وحبر تخضّب بذرات تراب الارض، صدر كتاب "الهرمل... جميلة المدن المنسية" للتربوي العريق الأستاذ مخلص أمهز، عن دار كاف للطباعة والنشر. والكتاب في ثلاثة أجزاء، من 1600 صفحة من الحجم الكبير، موزعة على أربعة وعشرين فصلاً، ليشكل موسوعة متكاملة تتناول الهرمل وقرى قضائها من مختلف جوانبها التاريخية والجغرافية والاجتماعية والخدماتية والاقتصادية والثقافية.
فالهرمل بالنسبة للكاتب ليست موضوعاً بحثياً محايداً، بل مكان عاش تفاصيله وشارك في صناعة بعض ملامح حياته العامة، خصوصا أنه كان في صميم حياتها الاجتماعية خلال ثلاثة عقود أمضاها مديراً لثانويتها الرسمية العريقة، ما أتاح له معرفة دقيقة بمؤسساتها وأبنائها وتحولاتها الاجتماعية والتربوية.
والمدن ليست مجرد أسماء تتوزع على خرائط الجغرافيا، ولا أماكن تعبرها الذاكرة من دون أثر، فالمدينة الحقيقية ذاكرة حيّة، تختزنها الحجارة، وتحفظها الوجوه، وتتناقلها الأجيال في الحكايات والمرويات والتفاصيل اليومية. ومن هذا المنطلق يأتي كتاب "الهرمل جميلة المدن المنسية"، عملاً توثيقياً يتجاوز حدود الكتابة عن المكان، ليغدو محاولة صادقة لصون ذاكرة مدينة عريقة واستعادة حضورها في الوجدان اللبناني.
وقد اعتمد الكاتب في دراسته منهجاً بحثياً توثيقياً رصيناً، متوخياً الدقة الأكاديمية، وجامعاً وبجهد كبير ما استطاع من الوثائق والشهادات والإحصاءات والروايات الشفهية. ولم يكتفِ بالمصادر المكتوبة، بل عاين الأمكنة التي تناولها، متنقلاً بين الجرد وأوديته وشعابه، وصولاً إلى العاصي وقرى القضاء، مستقصياً المواقع الأثرية والمعالم الطبيعية، ومستعيداً ما حفظته الذاكرة الشعبية من نوادر وحكايات وشخصيات.
ومن خلال صفحات الجزء الأول من الكتاب، تنفتح أمام القارئ رحلة في تاريخ الهرمل منذ العصور القديمة إلى الأزمنة الحديثة، مروراً بآثارها وشخصياتها وعائلاتها، وصولاً إلى تفاصيل حياتها الاجتماعية والثقافية. كما يتوقف المؤلف عند مؤسساتها التربوية والصحية والثقافية، ويرصد مواردها الاقتصادية، ولا سيما القطاع الزراعي، مدعماً بحثه بالبيانات والإحصاءات التي تساعد على قراءة مسار تطورها.
ولا يرصد الكتاب ماضياً ساكناً، بل يتابع التحولات التي طرأت على المدينة خلال القرن العشرين، إذ انتقلت الهرمل تدريجياً من مدينة صغيرة يغلب عليها الطابع الزراعي وتعاني محدودية الخدمات، إلى مركز حيوي في البقاع الشمالي، تتوافر فيه مؤسسات تربوية وصحية وخدماتية تستقطب أبناء المنطقة.
ورغم الظروف الصعبة التي أحاطت بالهرمل وقراها، يبرز الكتاب وجهاً آخر للمدينة: مدينة تنبض بالحياة، وتقاوم التهميش، وتحافظ على خصوصيتها، وتواصل بناء حاضرها مستندة إلى إرث طويل من العمل والتكافل والانتماء.
إن قيمة "الهرمل جميلة المدن المنسية" لا تكمن في حجم مادته وحدها، بل في قدرته على الجمع بين الوثيقة والحكاية، وبين البحث العلمي وذاكرة الناس، وبين جغرافية المكان وسيرة الإنسان. إنه كتاب كتبته المعرفة، وأغنته المعايشة، وحركه الوفاء.
وبذلك يغدو هذا العمل مرجعاً أساسياً لكل من يريد أن يتعرف إلى الهرمل في تاريخها وحاضرها، ونموذجاً لكل من يسعى إلى كتابة سيرة مدينته قبل أن تأخذ الأيام بعض تفاصيلها إلى النسيان. فالمدن التي تُحفظ في الكتب لا تغيب، والهرمل، في هذا الكتاب، تستعيد حقها في أن تُروى حكايتها، وأن تبقى جميلة المدن المنسية.









/file/attachments/2390/Untitled1_627591_817582.png)
39 ثانية قراءة/file/attachments/2393/Untitled21_512179_298493.png)
/file/attachments/2390/Untitled1_908897_344342.png)
/file/attachments/2393/Untitled1_678203_659773.png)
/file/attachments/2393/Untitled2_193206_677837.png)
/file/attachments/2393/Untitled7_477359_524401.png)



