
في لبنان، يبدو أن كلمة «السيادة» دخلت منذ مدّة في قاموس سياسي انتقائي: تُستحضر بقوة عندما يكون النقاش في الداخل، وتصبح أكثر خفوتًا عندما يكون التحدي على الحدود. لكن حادثة كفرشوبا أعادت وضع هذا الخطاب أمام امتحان لا يحتمل كثيرا من المناورة.
فقد دخلت قوة إسرائيلية إلى أطراف كفرشوبا، وتعرض رئيس البلدية ورئيس اتحاد بلديات العرقوب قاسم القادري للاستجواب أثناء وجوده قرب خزان المياه الذي يغذي البلدة، وصودر هاتفه قبل الإفراج عنه! والأهم أن القادري قال لاحقا إن القوة الإسرائيلية عرضت عليه خدمات وأموالا مقابل التعامل معها، فأجاب بأنه لا يتعامل إلا مع الدولة اللبنانية.
هنا تحديدا، ينبغي أن يُطرح السؤال على السلطة اللبنانية، لا على رئيس البلدية: أين هي الدولة عندما يدخل جيش أجنبي إلى أرض لبنانية ويستجوب مسؤولا محليا لبنانيا؟
لقد اعتاد اللبنانيون سماع خطاب طويل عن بناء الدولة، وحصرية القرار، ومرجعية المؤسسات، وضرورة أن تكون الدولة صاحبة السلطة الوحيدة على أراضيها. لكن ماذا يبقى من هذا الخطاب إذا كان ممثل الإدارة المحلية يستطيع أن يقول لقوة أجنبية: «أنا تابع للدولة اللبنانية»، بينما لا يجد وراءه في لحظة الاختبار سوى قدرة تلك الدولة على إصدار بيان استنكار؟
قد يجادل بعضهم أن رئيس البلدية ليس موظفا في السلطة المركزية، لكنه، في المقابل، يمثل سلطة محلية رسمية منتخبة، ويمارس وظيفة عامة على أرض لبنانية. وعندما تتعرض هذه السلطة المحلية لتدخل قوة أجنبية، يصبح الأمر اختبارا لسلطة الدولة المركزية نفسها: هل هي موجودة فعلا في تلك الجغرافيا، أم أن حضورها لا يتجاوز البيانات؟
والأكثر دلالة أن رئيس الحكومة نواف سلام اتصل بالقادري مستنكرا توقيفه ومؤكدا وقوف الدولة إلى جانب أبناء كفرشوبا والعرقوب. وهذا يطرح سؤالا إضافيا: هل تكفي الاتصالات والاستنكارات لإثبات السيادة؟
فالسيادة ليست أن تقول الدولة إنها صاحبة القرار؛ السيادة أن يكون لهذا القرار أثر على الأرض. وليست أن تعلن الدولة أنها تحمي مواطنيها؛ بل أن يشعر المواطن، وخصوصا في المناطق الحدودية، بأن خلفه دولة قادرة على حماية وجوده ومؤسسات بلدته ومرافقها الحيوية.
والسؤال يصبح أكثر إلحاحا مع تكرار الحوادث في كفرشوبا نفسها. فقد سبق أن اقتيد عضو في المجلس البلدي وعامل أثناء قيامهما بتشغيل محطة ضخ المياه، ثم إنّ البلدية ناشدت الدولة والجهات الدولية التدخل لكشف مصير لبنانيين محتجزين لدى الإسرائيليين.
في هذا المجال، تتهافت، لا بالضرورة فكرة الدولة، بل النسخة الخطابية من الدولة التي يُراد للبنانيين أن يكتفوا بها: دولة قوية في البيانات، شديدة الحساسية تجاه خصومها في الداخل، لكنها تبدو محدودة القدرة حين يصل الاعتداء إلى حدودها.
والمفارقة أن الرجل الذي جرى استجوابه هو نفسه الذي أعلن أمام القوة الإسرائيلية أنه لا يقبل التعامل إلا مع الدولة اللبنانية. أي أن رئيس البلدية، في لحظة الاختبار، تمسّك بمنطق الدولة أكثر من قدرة الدولة على حماية هذا المنطق.
لذلك، فإنّ كفرشوبا لا تسأل اللبنانيين اليوم عن معنى السيادة نظريا. إنها تسأل السلطة سؤالا عمليا ومحرجا:
إذا كانت الدولة وحدها صاحبة السلطة، فلماذا يستطيع جيش أجنبي أن يدخل أرضها، ويستجوب ممثل سلطتها المحلية، ويصادر هاتفه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال أهم من عشرات الخطب عن السيادة. لأن الدولة لا تُقاس فقط بما تقوله عن نفسها، بل بما تستطيع أن تفعله عندما تُختبر سيادتها فعلا.










/file/attachments/2398/624957.jpg)
دقيقتين قراءة/file/attachments/2398/947704.jpg)
/file/attachments/2398/896580.jpg)
/file/attachments/2398/939117.jpg)
/file/attachments/2398/1_680796.jpg)
/file/attachments/2398/f01-06-18-09-2026_942868.jpg)






