بين "أرستقراطية الطاقة" ووعد التشاركية: كيف يبحث اللبنانيون عن كهرباء عادلة خارج لعبة السياسة ؟

19 أيلول 2026 الساعة 00:00
بين "أرستقراطية الطاقة" ووعد التشاركية: 
كيف يبحث اللبنانيون عن كهرباء عادلة خارج لعبة السياسة ؟
A- A+

ميرنا نعمي إبراهيم

في وقت يشهد فيه لبنان طفرة غير مسبوقة في إستخدام الطاقة الشمسية، كشفت دراسة موسّعة أطلقها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" بالتعاون مع "مجموعة إيبلا البحثية" بعنوان "نحو طاقة تشاركية في لبنان: نماذج عالمية من أجل رؤى محلية لقطاع الكهرباء"، خلال فعاليات "أسبوع بيروت للطاقة 2026"، أن هذا التحوّل الطاقوي يحمل في طيّاته مفارقات إجتماعية وإقتصادية عميقة.

الوجه المظلم للطفرة الشمسية

سجّلت الدراسة أن حصة الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء قفزت من 2% في عام 2021 إلى 15% في عام 2023، لتشكل نحو 20% من مصادر الطاقة المتجددة.

غير أن هذا التوسع، وفق الدراسة، مدفوع بشكل أساسي بالتمويل الذاتي للاسر الميسورة والشركات إلى جانب دعم جهات مانحة دولية ركزت على تزويد المرافق العامة والبلديات.

هذا المشهد أدى إلى نشوء ما وصفته الدراسة بـ "طبقة جديدة مهيمنة" أو "إستقراطية الطاقة"، حيث تمكنت الأسر القادرة من تأمين إحتياجاتها، بينما بقيت المجتمعات الفقيرة رهينة مولّدات الديزل أو العتمة، مما يهدّد بتكريس إنقسام طبقي جديد وتعميق فجوة التفاوت في الوصول إلى الطاقة.

النماذج العالمية والمحلية للتشاركية

صنّفت الدراسة نماذج الطاقة التشاركية عالمياً ضمن ست فئات رئيسية، تتفاوت من مبادرات سكانية صغيرة على مستوى المباني، إلى تعاونيات كبيرة ومتطورة تؤدي دور المرافق العامة (كما في أميركا اللاتينية)، وصولاً الى نماذج تمويل جماعي يغلب عليها الطابع المالي على حساب البُعد الديمقراطي.

أما على الصعيد اللبناني، فرصدت الدراسة ثلاثة نماذج ناشئة:

  • المبادرات البلدية: حيث أقامت البلديات شراكات مع جهات مانحة لتمويل مشاريع شمسية، لكن المشاركة غالباً ما إقتصرت على الأسر القادرة على تحمّل التكاليف.
  • مبادرات الأحياء: لا سيما في منطقة الميناء بطرابلس، حيث تجمّعت نحو 90 أسرة في مجموعات صغيرة لتقاسم إستخدام أجهزة تحويل الطاقة ومساحات الأسطح، وإتخذت أشكالاً من التعاون والتكافل، لكنها تقتصر إلى حوكمة راسخة.
  • نموذج تقاسم المباني: كما في أحد مباني شارع الحمرا في بيروت، حيث تولّت لجنة منتخبة تطبيق نظام لتقاسم تكاليف البنية التحتية، وإعتمدت آليات تصويت وتوثيق وشفافية في التعاقد مع الموردين.

لكن هذه التجربة بقيت محصورة في مجتمع صغير ومتجانس ينتمي إلى الطبقة الوسطى فقط.

المعوّقات التشريعيّة والتنظيميّة

على الصعيد القانوني، لفتت الدراسة إلى أن الأطر القانونية موجودة لكن تطبيقها يتّسم بالإنتقائية.

فالقانون رقم 462/2002 المتعلق بإعادة هيكلة القطاع وإنشاء هيئة ناظمة، تأخر تنفيذه عقوداً، ولم يُعيّن أعضاء الهيئة إلا في أواخر عام 2025.

كما أن قانون إنتاج الطاقة المتجددة الموزعة رقم 318/2023 يُعدّ خطوة إيجابية تدعم مشاريع الطاقة الصغيرة والتبادل المباشر، لكنه يفتقر إلى اللوائح التنفيذية الكاملة والمعوقات التقنية التي تحدّ من الاستفادة الكاملة من إمكاناته.

أصوات الخبراء... بين العدالة الاجتماعية واللامركزية التقنية

تتقاطع رؤى الخبراء حول ضرورة تجاوز الحلول الفردية، فبحسب الدكتورة دانة أبي غانم الباحثة الاجتماعية، وعضو مؤسس مشاركة في مجموعة "إيبلاً البحثية" التي تقول: "إن الطفرة الشمسية" التي قسّمت اللبنانيين لم تكن عادلة. وأن التمويل الذاتي من الاسر الميسورة أمنت احتياجاتها، بينما بقيت المجتمعات الفقيرة رهينة مولّدات الديزل أو العتمة". وأضافت أبي غانم: "الحلول التقنية وحدها لا تكفي لتحقيق العدالة في مجال الطاقة، لهذا يجب إعادة النظر بالأطر التشريعية لتسهيل إنشاء جماعات الطاقة التشاركية العادلة والشاملة. كما يجب البدء بتجارب جديدة تخلق التعاون بين البلديات والمستثمرين لعلّها تفتح الباب أمام تخطّى أزمة عدم التكافؤ بالحصول على الطاقة المتجددة، ووضعها في متناول الجميع".

من جهتها، الدكتورة مزنة المصري، الباحثة الانفروبولوجية، وعضو مؤسسة مشاركة في مجموعة "إيبلاً البحثية" شرحت فكرة الدراسة وقالت إنّه "بدلاً من خيارين مستهلكيـــن وهو إما "الدولة تستعيد القطاع أو "تسلمه للقطاع الخاص"، هناك مسار ثالث يدعو إلى الطاقة التشاركية والمجتمعية، يُصبح فيها السكان والبلديات والتعاونيات جزءاً من إنتاج الطاقة وتمويلها وإمتلاكها وإدارتها". وأضافت "القانون لا يسمح للنماذج الاكثر تعقيداً، لهذا يجب اللجوء إلى حوكمة ديمقراطية وقاعدة أوسع تسمح "بالطاقة التشاركية" أن تكون بمتناول الجميع وليس محصورة بالأفراد "مؤكدةً أن القرار يجب أن يُعطى للمهندسين والخبراء وليس للعنصر المادي".

وحذّرت الدكتورة المصري من "أن المشاركة في مشروع للطاقة لا تعني بالضرورة إمتلاك القرار فيه" طارحة السؤال السياسي الاهم هو: "من يملك الطاقة ومن يقرّر بشأنها؟

من الجانب العلمي، يرى الأستـــاذ فيليب خوري الشريك المؤسس لشركة "ME Green" "أنّ المستقبل هو في إعتماد اللامركزية مؤكداً أن "تحسين كفاءة الطاقة وإدماجها ضمن سياسة وطنية متكاملة شرط أساسي لخفض الكلفة وإستقطاب المستثمرين" وأضاف أن "الميسورين الذين وضعوا الطاقة الشمسية أثّرت سلباً على الافراد والمنازل. كما أن تسهيل عملية تركيب "الطاقة الشمسية دون مساءلة أو محاسبة أثّرت سلباً على مسار الحلول".

وأشار خوري أنّ "على القطاع العام مدّ العون ومساعدة القطاع الخاص لإبراز الحلول، لا أن يعرقله مما يخّفف الأعباء على الدولة اللبنانية والمواطن. وأن تضع حدّاً لتركيب الطاقة الشمسية العشوائي" متسائلاً: "كيف ننتقل إلى تمويل مستدام"؟

نحن لا نريد إتباع صيغة Business Model التي تتكّل على الهبات، بل علينا "جلب" المال بالأطر القانونية وليس "بالركض" وراء الزبائنية، وعلى الدولة وضع حدّ للمعنيين الذين يستفيدون من معاناة المستهلكين، مما ولّد عدالة غير إجتماعية في هذا المضمار.

ومن الناحية الرؤية القانونية يرى المحامي علي برّو الخبير في قوانين وسياسات الطاقة أن "تطوير قطاع الطاقة المتجددة في لبنان لا يمكن أن ينجح دون إطار قانوني سليم وحوكمة رشيدة". وأضاف أنه "لاستخدام الطاقة التشاركية يجب أن يبدأ من إستقرار "كهرباء الدولة" وإتباع الخطوات الاكثر تشريعية وتنظيمية". وتابع برو "بالتزامن مع أزمة النفط العالمية وبظل عجز قطاع الكهرباء في لبنان، أثر على بعض التمويل لشراء الحاجيات، ولّد عدم السيطرة على إرتفاع سقف التعرفة دفع فاتورتها غالياً المواطن مما زادت من تفاقم أعبائه ومعاناته (إشتراك المولّد) في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة" وأشار المحامي إلى أن المواطن يلجأ أيضاً إلى أنظمة لا تراعي السلامة العامة، وبالتالي هي أزمة مركّبة معقّدة يحاول مجموعة من المستثمرين المحليين حالياً معالجة الأمر".

وختم أيمن دندش منسّق الشراكات في المركز العربي للأبحاث الجلسة الحوارية التي جرت في قاعة قرطاج – فندق انتركونتينتال فينيسيا – بيروت بأن "هذه النماذج التي طرحها الخبراء هي أبرز المسارات لتحقيق العدالة الطاقوية وتجاوز حالة التشظي".

بينما تخلص الدراسة إلى أن "الحلول التقنية وحدها لا تكفي لتحقيق العدالة في قطاع الطاقة، وتؤكد أن هذه الترتبيات المحلية لا تشكل بديلاً عن نظام وطني شامل، يبقى السؤال الاكثر إلحاحاً معلقاً في الهواء: هل ستمنح الدولة اللبنانية الناس حق إمتلاك شبكتهم؟ أم أن الطاقة التشاركية ستبقى مجرد حلم جميل... بينما يستمر الاقوياء بإنتاج الكهرباء لانفسهم؟

الجواب، كما قالت الدراسة، ليس تقنياً، إنه سياسي !!

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration