المركزي أمام تحدّي إعادة بناء الثقة النقدية حسم توزيع الخسائر مدخل أساسي لحماية المودعين

19 أيلول 2026 الساعة 00:00
المركزي أمام تحدّي إعادة بناء الثقة النقدية
حسم توزيع الخسائر مدخل أساسي لحماية المودعين
A- A+

في ظل تسارع القرارات التنظيمية الصادرة عن مصرف لبنان خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع مفاوضات صندوق النقد الدولي وتطبيق قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي رقم 23 لعام 2025، يُطرح السؤال: هل نحن أمام أدوات إصلاح حقيقي، أم إدارة للأزمة بصيغة جديدة؟

الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور بيار الخوري يرى، في حديث لـ«الديار»، أن مصرف لبنان لم يعد يملك ترف الغموض الذي مارسه لعقود. ويقول: «حين ينهار جهاز مصرفي بالحجم الذي شهدناه منذ عام 2019، تتحول كل كلمة يصدرها الحاكم، وكل تعميم يوقّعه، إلى اختبار مباشر لقدرة المؤسسة على قول الحقيقة من دون مواربة».

ويعتبر أن المصداقية لم تعد شعاراً أخلاقياً، بل اصبحت متغيراً اقتصادياً قابلاً للقياس، يحدد ما إذا كان المودع سيعيد ما تبقى من أمواله بالدولار الطازج إلى القنوات الرسمية، أم سيبقيها خارج الجهاز المصرفي كلياً.

ويضيف: «في اقتصاد تجاوزت دولرته الفعلية 90 في المئة، يعني فقدان الثقة بالمصرف المركزي عملياً فقدان السياسة النقدية بكاملها كأداة حكم. نحن أمام مؤسسة تحاول إعادة بناء سلطتها الرمزية من الصفر، في بيئة لا يزال فيها المودع يحمل ذاكرة حية لخطاب "الودائع مصانة" الذي سبق الانهيار مباشرة».

الثقة تُبنى بالاتساق

وعن الفارق بين تعميم يعيد الثقة وآخر يزيدها اهتزازاً، يرى الخوري أن المسألة تكمن في طبيعة الالتزام الذي يحمله التعميم.

فالتعميم الذي يعيد الثقة، بحسب الخوري، هو الذي يقلّص هامش السلطة التقديرية للمصرف نفسه، ويضع قواعد واضحة وقابلة للتنبؤ، من دون ترك المجال أمام تفسيرات لاحقة تخدم ظرفاً سياسياً معيناً. أما التعميم الذي يزيد اهتزاز الثقة فهو الذي يكرّس الاستنسابية بغلاف تقني.

ويضرب مثالاً بتعاميم «صيرفة» المتتالية، قائلاً إن كل تعديل في سعر المنصة أو سقوف السحب أعاد فتح النقاش حول الجهة التي تقرر السعر والأسس المعتمدة، بدلاً من إقفال الجدل.

في المقابل، يعتبر أن التعميم المتعلق بتوحيد سعر الصرف الرسمي مطلع عام 2023 شكّل مثالاً على إجراء أنهى حالة من التشوه الناجم عن تعدد أسعار الصرف، وإن جاء متأخراً سنوات عن توقيته الأمثل.

ويؤكد أن «المعيار الحاسم ليس صرامة التعميم أو ليونته، بل مدى اتساقه مع ما سبقه، وقابليته للتطبيق من دون استثناءات لاحقة».

من يتحمل الخسائر؟

أما عن انعكاس التعاميم على قدرة المودع على الوصول إلى أمواله وتوزيع الخسائر، فيقول الخوري إن هنا تكمن «المفارقة المركزية».

ويشرح أن كل تعميم يتعامل مع الودائع المجمدة هو، في جوهره، قرار بشأن الجهة التي ستتحمل كلفة الانهيار، حتى وإن صيغ بلغة تقنية محايدة.

ويضيف: «حين يحدد تعميم سقفاً شهرياً للسحب من حساب الدولار المصرفي، فهو عملياً يفرض "هيركات" غير معلن وموزع زمنياً، بدلاً من أن يكون رقماً صريحاً».

ويرى أن هذه الصيغة تريح المصارف ومصرف لبنان معاً، لأنها تؤجل الاعتراف الرسمي بحجم الخسارة، لكنها تترك المودع في حالة انتظار دائم، من دون معرفة القيمة الحقيقية لما تبقى من أمواله.

ويشير إلى أن المفاوضات الجارية حول قانون 23/2025 تحاول كسر هذه الحلقة عبر تصنيف الودائع وفق شرائح، إلا أنه «طالما بقيت آلية توزيع الخسائر بين المساهمين والدولة وكبار المودعين غير محسومة بشكل نهائي وملزم، ستبقى التعاميم أداة لإدارة الغضب الشعبي أكثر منها أداة لحل عادل ومستدام».

المواطن يدفع الفاتورة

لكن ماذا عن المواطن الذي لا تربطه علاقة مباشرة بالجهاز المصرفي؟

يجيب الخوري بأن «المواطن خارج القطاع المصرفي هو من يدفع الفاتورة الأوسع، وإن بشكل غير مرئي».

ويوضح أن تدخل المصرف المركزي لضبط سعر الصرف عبر التعاميم ينعكس على مجمل الاقتصاد، فيما تتآكل القدرة الشرائية للأجور المدفوعة جزئياً بالليرة مع كل تذبذب في سعر الصرف.

وفي المقابل، تحولت الدولرة الفعلية في التسعير اليومي، من الإيجارات إلى فواتير الكهرباء البديلة، إلى واقع بنيوي لا تعكسه التعاميم الرسمية بصورة كاملة.

ويقول: «النتيجة اقتصاد مزدوج: طبقة تتعامل بالدولار الطازج وتشعر باستقرار نسبي، وأغلبية تتقاضى بالليرة أو بتحويلات متآكلة القيمة، وتتحمل كلفة قرارات تُقدَّم على أنها إصلاح تقني محايد».

إصلاح أم «تصدير للثمن»؟

وعما إذا كان ما يجري إصلاحاً حقيقياً أم «تصديراً للثمن» بصيغة مؤسساتية جديدة، يقول الخوري: «أميل إلى القراءة الثانية، مع التحفظ على الإطلاقية».

ويرى أن الآلية التي حكمت لبنان لعقود، والقائمة على نقل كلفة القرارات الكبرى من مراكز القوة إلى الحلقات الأضعف، لم تُفكك حتى الآن، بل أعادت إنتاج نفسها بلغة تقنية أكثر تعقيداً.

ويضيف أن «التعميم بات الشكل الحديث لما كانت تؤديه القرارات الحكومية المباشرة سابقاً: توزيع خسارة معلومة الحجم على أطراف ضعيفة القدرة على المساومة».

لكن الخوري يشير إلى عامل مختلف هذه المرة، يتمثل في الضغط الخارجي المرتبط بصندوق النقد وشروط الحوكمة المرافقة لأي تمويل مستقبلي. وبرأيه، لا يضمن هذا الضغط عدالة توزيع الخسائر، لكنه يفرض حداً أدنى من الشفافية، ويجعل عملية تحميل الكلفة أكثر خضوعاً للمراقبة والتوثيق.

لا اختراق قبل حسم الخسائر

ولا يتوقع الخوري اختراقاً جذرياً قبل حسم مسار المفاوضات مع صندوق النقد، المرتبط بدوره بعوامل سياسية داخلية تتجاوز الملف النقدي.

ويرجح استمرار الاستقرار الحذر في سعر الصرف الرسمي، بالتوازي مع بقاء حالة عدم اليقين لدى المودعين، إلى أن يصبح توزيع الخسائر نصاً قانونياً نافذاً وملزماً، لا مجرد مسودة قيد التداول.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration