
الوضع في لبنان موصول بالنزيف الذي يصيب المنطقة وكامل الداخل العربي. غير أن النزيف اللبناني له خصوصيته. إذ تتداخل فيه وجوه مختلفة سياسية واقتصادية واجتماعية إضافة إلى خصوصية العامل الاسرائيلي المتمثّل باحتلال أجزاء من أرض الجنوب مصحوبا بتدمير البنى التحتية والمنازل وسياسات التهجير والعقاب الجماعي. وهذا العامل الاسرائيلي يتحكّم به حاليا رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو واليمين الديني اليهودي شريكه في الحكومة. وبالتالي فإن هذا العامل هو عنصر ضاغط على الوضع اللبناني الرسمي والشعبي طيلة الفترة التي تسبق الانتخابات الاسرائيلية حيث لا استجابة من تل أبيب لطلبات واشنطن وخصوصا أن نتنياهو كان قد أبلغ الرئيس دونالد ترامب بأنه في الشأن اللبناني سيتجاوب مع مطالبه في الأيام اللاحقة على الإنتخابات الاسرائيلية. أي أن البقاء الاسرائيلي في الجنوب اللبناني حاليا هو ورقة انتخابية له. وهذا يفسر تأجيل اجتماع روما بين اللبناني والاسرائيلي برعاية أميركية إلى الشهر المقبل. وكذلك التواصل الذي يجريه السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى مع زميله في اسرائيل مايك هاكابي في محاولة منه لتدوير الزوايا سواء في زيارته للجنوب اللبناني واستطلاع الأمور على الأرض أو في طمأنته للجهات الرسمية اللبنانية بأن واشنطن لا تتخلّى عن لبنان وإنما تسعى إلى "ترتيبات نهائية" لمعالجة مشاكله المعقدة.
الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون يربط بين العناصر المختلفة للأزمة اللبنانية وتحديدا بين بُعدَيها الاسرائيلي والداخلي. ففي البعد الاسرائيلي يطرح أبعد ما يمكن أن يذهب إليه لبنان في المرحلة الراهنة وهو "الاتفاق الأمني" والذي يربطه بخطوات مسبقة ينبغي أن تقوم بها الدولة العبرية وهو الإنسحاب الكامل من الجنوب اللبناني وتحرير الأسرى ووقف الاعتداءات وعودة النازحين وانتشار الجيش اللبناني. أما إعادة إعمار الجنوب فهو تعهّد أميركي بأموال خليجية وغير خليجية تُزامن هذه الخطوات. وفي تشديده على التزام الدولة بحصرية السلاح. فهو يعتبر ذلك شأنا لبنانيا تقوم به الدولة من دون اللجوء إلى استعمال القوة. وهذا أمر يرتبط بدوره بمدى جدّية اسرائيل بتنفيذ ما يتوجّب من جانبها وبتوفير السلاح والعتاد والذخيرة للجيش اللبناني ورفع رواتبه باعتباره المؤسسة الوحيدة اللبنانية الضامنة للوحدة الوطنية والسيادة على كامل الأراضي اللبنانية.
ولا يقطع الرئيس اللبناني في البعد الاسرائيلي بين المراحل. إذ يعرف تماما ماذا تريد واشنطن لبنانيا. وهو لا يمانع بأن يكون الاتفاق الأمني نافذة على اتفاق سلام. وهو يعرف سلفا أن مثل هذا الأمر يرتبط بتوافقات عربية أبعد من لبنان تعمل واشنطن على توفيرها من خلال البحث عن مخرج ديبلوماسي للحرب الأميركية-الايرانية وللحروب الفرعية المرتبطة بها على باب المندب وداخل اليمن وبين المملكة العربية السعودية والحوثيين والتمدد الاسرائيلي من بوابة الصومال الغربي والجزر باتجاه اليمن والمملكة العربية السعودية في آن معا.
وواقع الأمر فإن المخرج الديبلوماسي للحرب الأميركية-الايرانية هو عنصر جوهري أساسي في إطفاء الحرائق في المنطقة بما فيه الحريق على مضيق هرمز ومضيق باب المندب ولاحقا على مضيق جبل طارق وكذلك الحريق اللبناني المرتبط بالبعد الداخلي الاجتماعي والاقتصادي حيث تتراكم الشكوى الشعبية ومن كل الفئات والمكوّنات من ارتفاع الأسعار ومافيات الكهرباء والدواء وتبييض الأموال وأقساط المدارس والجامعات المرتفعة وحيث تتلهى الطبقة السياسية بنزاعات فيما بينها وبتهم متبادلة وسياسات تجريح غايتها الأساسية إثارة النعرات الطائفية والفتنة.
هذا البعد الداخلي هو حاليا إضافة إلى البعد الاسرائيلي عنصر الاهتمام الرئيسي للرئيس العماد جوزاف عون والذي رسم خريطة معالجة له في خطاب القسم بإصلاح سياسي وإداري وبإقامة الدولة العادلة والقادرة وتفعيل المؤسسات وبمواجهة الفساد والمافيات وبالدفع نحو إنماء شامل ومواطنة حقيقية والربط بين المركز والأطراف. ما يحتاجه الرئيس اللبناني هو بناء الحاملة الاجتماعية والحوار مع الأساتذة الجامعات والفعاليات في المناطق والنخب على اختلافها. وهذا أمر يرتبط بتفكيك العلاقة بين البعدين الاسرائيلي والداخلي وهو ارتباط لا يولّد إلا الإنفجار.











/file/attachments/2399/2_370596.jpg)
3 دقائق قراءة/file/attachments/2399/f01-055-19-09-2026_111200.jpg)
/file/attachments/2399/Untitled1_479125_246775.png)
/file/attachments/2399/899467.jpg)
/file/attachments/2399/880525.jpg)
/file/attachments/2399/797372.jpg)






