"حكايات الجنوب لا تنتهي حفاظًا على السردية"

24 أيلول 2026 الساعة 00:00
"حكايات الجنوب لا تنتهي حفاظًا على السردية"
A- A+

"وإذا قبل الجميع الكذبة التي فرضها الحزب، وإذا كانت جميع السجلات تروي الحكاية نفسها، فإن الكذبة تمرّ إلى التاريخ وتصبح حقيقة"، يقول جورج أورويل في روايته "1984"، وعندما نغيّر كلمة الحزب التي اعتمدتها الرواية ونضع المصطلح المناسب لعصرنا الحاضر، "الكيان" أو "الصهيونية العالمية" أو غيرها من المسميات التي عُرِف بها عدونا مرتكب المجازر والإبادة منذ كان فكرة، فنشأ، فسيطر... لوجدنا أنفسنا أمام "الكذبة" عاجزين باكين مهزومين، فأصبحت وستستمر بأن تصبح "الحقيقة"، لأننا لا نسعى بالفعل والحركة ورفع لوائها كما يفعل من هم خلف الكذبة!

ولأن البلاد وأبناءها يبقى فيها ومنهم من يريد إضاءة شمعته بدلًا من الاستمرار بلعن الظلام، ولأن فعل المقاومة لا يقتصر على البندقية والمسيّرة والصاروخ، والسكّين والطعن أحيانًا، أخذ مجموعة من الكتّاب على عواتقهم أن يحافظوا على الحقيقة وعلى سرديّتها بالسَّردِ نفسه، فجاءت مجموعة "حكايات الجنوب لا تنتهي" (دار فكر 2026) شموعًا وهّاجة في مواجهة "الكذبة".

مبادرة بدأتها الروائية د. فاتن المر مع مجموعة من أصدقائها، وكنتُ واحدًا من هؤلاء منذ انطلاقة الفكرة، وبالفعل استطاعت أن تجمع أربعة وأربعين كاتبةً وكاتبًا كتبوا أربعًا وأربعين قصة عن الجنوب، وعن ناسه وأهله وأشجاره وأوديته وجباله وتلاله، وعن شهدائه وكل فعل بطولة حصل، ويستمر!

نعم ألّفْنا قصصًا عن الجنوب وعن لبنان وعن المقاومة والمقاومين، وعن حقنا في ذلك، نحن أبناء البلاد الذين يستمرون في السباحة عكس السائد وعكس راحة البال، عكس الرضوخ والاستسلام، عكس "الكذبة"، نصارع ما استطعنا حتى لا تصبح مع التاريخ "حقيقة".

عبد المجيد زراقط كتب "من يدقّ الجرس"، والياس الهاشم "أسوارة العروس"، ومايا زيادة "أمّ الرغيف"، وقاسم الساحلي "حسّان يعدو أمام الغمامة"، وزياد كاج "أم علي ذاكرة وطن، ورندلى جبّور "عاشق الجنوب"، وجاد نحلة "حكاية الشجرات العشر"، وريجينا صنيفر "عذرًا يا جنوب"، وأدهم الدمشقي "قرادة"، وفاتن المر "اليوم الأول بعد الحرب"، وغيرهم وغيرهم... وأنا كتبتُ قصّة "سحَر"!

قد نُسأَل ما فائدة الكتابة، وهو سؤال مشروع، ومطروح على الكاتب دومًا، حتى عندما يكتب فنًّا من أجل الفن، ويكتب للأطفال، ويكتب عن قضايا أبسط وأقرب إلى الشباب والواقع، وأن الكتابة فعل لا أثر له ولا تأثير، ولكنه عندما يُطرَح على الكاتب الذي أراد التدوين لحفظ سردية بلاده وحفظ مستقبلها في وجه التزوير، يكون الردّ بالنسبة إليّ، وأعتقد بالنسبة إليهم، جميع من شارك في هذا الكتاب، بسيطًا وواضحًا وضوح رؤيتهم لهذا العالَم: "نحن نقوم بواجبنا، وليكن الأثر قليلًا أو لعله لن يكون هنالك من أثرٍ اليوم، ولكننا نسعى ليكون لنا "كلمة" وتوثيق من خلال الأدب في وجه التزوير والكذب، علها تنفع في المستقبل، أجيالًا لم تولد بعد".

لم أدخل في تفاصيل القصص لأنها كلها أدت أدوارًا مختلفة باختلاف قرار كاتبها، فقد يكون الدور سرديًّا أدبيًّا، وقد يكون توثيقيًّا، وقد يكون صرخة و"فشّة خلق"، وقد يكون كل ذلك... المهم أننا كتبنا، وسنظل نكتب عن البلادِ، حقيقة وحقًّا في وجه التزوير والإجرام والكذب.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration