التنقيب برّاً: عوائق أم قرار سياسي؟

30 أيلول 2026 الساعة 00:00
التنقيب برّاً: عوائق أم قرار سياسي؟
A- A+


في الوقت الذي يتحكّم فيه قطاع النفط ومساراته بالاتفاقيات السياسية والعسكرية الإقليمية والدولية، لا يزال لبنان يتجاهل موردًا طبيعيا قد يُنعش اقتصاده ويدفعه إلى التعافي والازدهار إذا ما قرّر أن يخوض غماره ويضعه على السكّة الصحيحة.

"التنقيب عن الغاز والنفط في البرّ"، هو العنوان العريض الذي لا يعمل عليه لبنان حاليا في ظلّ التأخير الحاصل في التنقيب في البلوكات البحرية جنوبا بسبب الوضع الأمني المتوتّر، وشمالا بسبب عدم الترسيم البحري مع سوريا. ولكن لماذا لا تبدأ الحكومة التي تسعى إلى إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، العمل الجدّي من أجل تحقيق هذا الأمر الذي يُكلّف عشرة أضعاف أقلّ من التنقيب في الآبار البحرية؟ وما هي المعرفات والتحديات التي تحول دون القيام بهذه الخطوة التي بدأت منذ عقود ثمّ تفرملت؟ أسئلة عديدة تبقى من دون إجابات عنها حتى من قبل المعنيين، رغم وجود دراسات جيولوجية وحقائق تشجّع على اتخاذ القرار الرسمي للبدء بالتنقيب برًّا.

مصادر نفطية خبيرة في لبنان والشرق الأوسط تؤكّد أنّ ثمّة دراسات جيولوجية ومسوحات أجنبية، قديمة وحديثة نسبيا، أكّدت احتمالية وجود مكامن نفطية وغازية واعدة في البرّ،. فقد أجرت شركة أميركية في العام 2014 مسحًا جغرافيًا جويّا متطوّرا على مساحة 6000 كلم2، شمل منطقة الشمال ومحافظة البقاع، والساحل أيضا. ثمّ دمجت بياناتها مع تلك الزلزالية ثنائية الأبعاد التي كانت متوافرة لدى الدولة. والأهمّ في هذه الدراسة أنّ نتائجها أظهرت وجود احتمالات قوية ونشاط نظام هيدروكربوني في البرّ. وحدّدت 6 مكامن واعدة هي: منخفض القاع (شمال البقاع)، يحمر وسحمر (البقاع الغربي)، تلّ ذنوب/ كفرزبد (البقاع الأوسط)، تربل (شرق طرابلس)، البترون-عبرين (شمالا)، عكّار والمنية (إمتداد جبل لبنان الشمالي). الأمر الذي كان يُفترض أن يُشجّع الدولة على فتح هذا القطاع أمام الشركات النفطية العالمية، غير أنّه لم يحصل حتى الساعة.

علماً بأنّه جرى حفر 7 آبار إستكشافية سابقا بين عامي 1947و 1967، منها بئر يحمر، وأخرى في سحمر وتربل وعبرين والقاع، وأكّدت نتائجها على وجود نظام بترولي ونشاط هيدروكربوني لكنها لم تصل إلى الأعماق.

ورغم هذه الدراسات والاستكشافات الإيجابية، تؤكّد المصادر أنّه لا بدّ من القيام بحفر بئر أو آبار في المناطق الواعدة على العمق المطلوب للتأكّد من وجود مكتشفات تجارية. فالآبار السابقة حُفرت على عمق 650 و2700 متر، في حين أنّ المطلوب الوصول إلى 4000 و4500 متر أو أكثر لإيجاد الثروة النفطية.

وفي ظلّ الحديث عن عوائق سياسية وقانونية وتقنية تحول دون فتح هذا الباب على مصراعيه لتستفيد منه الدولة بشكل مباشر من مردود الإنتاج التجاري، بدلا من الاعتماد على المساعدات والقروض التي لا تأتي سوى "مشروطة"، تلفت المصادر نفسها، إلى أنّ أي مشروع يواجه عقبات. ففي الأراضي المرشّحة للتنقيب، ثمّة تعقيدات قانونية تتعلّق بالأملاك الخاصّة والمشاعات البلدية المتنازع عليها، الأمر الذي يتطلّب استملاك أراضٍ شاسعة، ودفع التعويضات للأهالي وغيرها... كما يحتاج الأمر إلى إصدار مراسيم تشريعية تّحدّد رقع الحفر البريّة، على غرار تقسيم البلوكات البحرية، والاتفاق على آليات المحاصصة وحقوق الملكية العقارية فوق المكامن المفترضة، إلى حانب وجود بعض المخاطر التقنية لعمليات الحفر في مكامن صغيرة نسبيا في البرّ، وعدم امتلاك لبنان أي خطوط أنابيب داخلية، ومحطات تكرير، ومنشآت تخزين.

ولكن كلّ هذه المعوقات يمكن حلّها متى وُجد القرار السياسي، على ما تضيف المصادر الخبيرة... فعدم التوافق حول توزيع حصص الصناديق وتوزيع العائدات والمكاسب بين القوى السياسية لا يزال يمنع إقرار قانون التنقيب البرّي الذي تحتاج إليهه الشركات النفطية بشكل أساسي، بدلا من التشريعات القديمة التي تعود إلى ثلاثينات وسبعينات القرن الماضي... علما أنّ الحفر في الآبار البريّة قد لا يحتاج إلى شركات كبرى، بل متوسطة وصغيرة يمكنها العمل على الحفر الجدّي، ومن ثمّ تقاسم الأرباح وفق الاتفاقية التي ستوقّعها الدولة معها.

وتحدّثت المصادر عن أنّه رغم انخفاض كلفة التنقيب البرّي، لم تُقرّ الهيئة العامة في مجلس النوّاب، مسودة القانون الخاص بالتنقيب عن النفط والغاز في البرّ، الذي أحيل إلى اللجان المشتركة في وقت سابق، ولم يُصبح بالتالي قانونا نافذا حتى الآن، الأمر الذي حال دون إدراج المكامن البريّة في أي من دورات التراخيص السابقة المتعلّقة بالبلوكات البحرية، كما لم تُفتح أي دورة خاصّة لها.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration