اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية إلى أن بعد ترسب غبار الحرب في إيران ولبنان، أصبح بإمكاننا الآن دراسة ما تحقق من وعود تغيير وجه الشرق الأوسط التي قطعتها إسرائيل منذ 7 تشرين الأول، ولا سيما خلال حرب "زئير الأسد". صحيح أن جميع أعداء إسرائيل تلقوا ضربة غير مسبوقة، وأن الوضع الأمني تحسن مقارنةً بما كان عليه قبل عامين ونصف، لكن لم يتم القضاء على أي من أعدائها الرئيسيين الثلاثة – إيران وحزب الله وحماس – وفقًا لمفهوم "النصر المطلق"، ولم يختفِ المحور ولا فكرة "المقاومة".

هذا هو الشرق الأوسط القديم- الجديد. ففي سوريا، سقط نظام الأسد، لكن خليفته ليس من أنصار إسرائيل، وتركيا تعزز موقعها الإقليمي وتشكل تحديًا متزايدًا لإسرائيل، والعالم العربي ليس في عجلة من أمره للوقوف إلى جانب إسرائيل رغم الموقف الموحد في مواجهة التهديد الإيراني. بل على العكس، باتت الدول العربية تشك في استعراض إسرائيل لقوتها، وتؤكد أن التطبيع لن يتحقق دون حوار حول القضية الفلسطينية، التي تتجنبها إسرائيل بإصرار كما فعلت قبل 7 تشرين الأول.

لقد أعادت حرب "زئير الأسد" إسرائيل إلى نصابها؛ فهي تمتلك قدرات وإنجازات عسكرية هائلة، لكن حدود قوتها تتضح أيضاً، ولا سيما اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة – سواء في دعم المجهود العسكري أو في تحديد توقيت ونهاية القتال. سيناريو غزة يتكرر الآن في إيران ولبنان: فقد نتنياهو وعد بانتصارات مطلقة، وشبّه الصراعات بالحرب العالمية الثانية، والعدو بالنازيين الذين يجب إبادتهم، وسعى لشنّ حملات بلا حدود زمنية، لكن ترامب أمر بإنهاء القتال وأرسى الترتيبات التي سمحت للعدو بالبقاء قوة مهيمنة.

إسرائيل ليست إسبرطة ولا باباي الشرق الأوسط القويّ المطلق. اتضح هذا جلياً مع انتهاء الحرب في غزة والتخلي عن وهم إخلاء غزة من الفلسطينيين وإنشاء ريفييرا متوسطية، والآن أيضاً مع عجز إسرائيل عن نزع سلاح حزب الله أو تغيير النظام في طهران. إن الرؤية والجرأة والدهاء مبادئ أساسية في المشروع الصهيوني، ولكن عندما تُقاد هذه المبادئ بقوة الأوهام، يحدث ضرر بالغ. على إسرائيل أن تُدرك أن صورتها في نظر معظم العالم ليست صورة "داود المحق"، بل صورة عملاق جبار يضرب في كل مكان وزمان، مع تزايد التساؤلات حول حكمها وقيمها الأخلاقية.

الاستياء الجماعي

الاستياء الجماعي لا ينبع من النتائج العسكرية، إذ حققت إسرائيل انتصارات باهرة في جميع المجالات مُظهرةً تفوقها التكنولوجي والاستخباراتي، بل هو استياء ينشأ من فجوة حادة بين الوعود والشعارات والأوهام وبين الواقع، إلى جانب الإفراط في استخدام مصطلحات "مطلقة" من قِبل صُنّاع القرار، مثل "الحسم" و"قطع الرؤوس"، أو إحصاء الوحدات والأسلحة المُدمّرة، وهي أمور تُناسب الأنظمة التقليدية لا المعاصرة. هذه الفجوة تعكس ضعفًا في تقييم الواقع ونقصًا في الفهم العميق لطبيعة العدو، وتُبيّن ثمن الاستهزاء بمتطلبات الاستراتيجية و"العمل السياسي". كان من الممكن أن يُجنّب حوارٌ مباشرٌ ورصينٌ بين القيادة والجمهور انهيار التوقعات.

وبين هذا وذاك، يبرز أن صناع القرار الذين يقدمون أنفسهم على أنهم رصينون و"مصلحو مفهوم 7 تشرين الأول"، ويتباهون بأنهم "يعرفون ما يؤثر في العرب وكيف يفكرون"، ويرفعون شعار "سنأكل السيف إلى الأبد"، هم أنفسهم من يبشرون باليوتوبيا بروح "الانتصارات المطلقة"، و يؤمنون بقدرتهم على هندسة الوعي بروح نزع التطرف، وترسيخ الأيديولوجيات من خلال الاقتصاد، مثل مشروع صندوق الثروة السيادية الفاشل في غزة الذي يحاولون نسيانه. هذا أمر مُحبط، لكن من الضروري التذكير: إنّ من يُصرّون على عدم التحقيق في إخفاقات الماضي يُعيدون إنتاجها مع كلّ خطوة يخطونها، ويُلحقون المزيد من الضرر – الذي لا يخضع للتحقيق أيضاً، تماشياً مع الثقافة الفاسدة التي ترسخت منذ 7 تشرين الأول، والتي تُعفي صُنّاع القرار من الاعتراف بالأخطاء وتحمّل المسؤولية.

إذا ما شرعت قيادةٌ مستقبليةٌ في إجراء تحقيقٍ شاملٍ في الحرب وجذور إخفاقات 7 تشرين الأول، يُوصى بإدراك عدة أمور: أنّه في الواقع الراهن، لا إمكانية للقضاء على الأعداء أو هزيمتهم نهائياً، وأنّ الحملة ضدّهم رحلةٌ طويلة؛ وأنّ الإنجاز العسكري الاستراتيجي لا يُمكن تحقيقه دون موطئ قدمٍ سياسي؛ وأنّ استمالة حلفاء بعيدين وجماعاتٍ مهمّشةٍ في المنطقة ليس بديلاً عن العلاقات الوثيقة مع الجيران المقرّبين؛ وأنّ الاستيلاء على الأراضي وحده ليس مفتاح الأمن طويل الأمد؛ وأنّه لا مفرّ من نقاشٍ مُعمّقٍ واتخاذ قراراتٍ بشأن القضية الفلسطينية.

وأخيراً، لا بد من نظرة داخلية متعمقة. فالحملة التي انطلقت منذ 7 تشرين الأول تُعدّ من أنجح الحملات من الناحية العسكرية، لكنها مُحبطة للغاية فيما يتعلق بالخطاب داخل إسرائيل، والذي يتسم بالسطحية، وإخضاع غير مسبوق للحجج والأفعال للاعتبارات السياسية، وإدمان الأوهام، وإضعاف النقد والتفكير المعقد بحجة انعدام الوطنية وعدم إدراك عظمة المعجزة. إن الحنين إلى إسرائيل القديمة لا يقتصر على الانقسامات داخل البلاد فحسب، بل يشمل أيضاً قادة مثل ليفي إشكول – "الرمادي المتلعثم" – الذي عرف، في نهاية انتصار حرب الأيام الستة، حين كانت إسرائيل في نشوة عارمة، كيف يشرح أن "العروس رائعة، لكن المهر إشكالي". بعد عامين ونصف من الحرب الصعبة، حان الوقت لاستيعاب أن الحقائق المعقدة أفضل من الهذيان المليء بالأوهام.

الأكثر قراءة

واشنطن تفاوض بالعقوبات... و«إسرائيل»تصعّد ميدانياً رفض مُخابرات عربيّة ودوليّة الإفراج عن موقوفين إسلاميين