اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً بنيوياً في طبيعة الصراعات الجيوسياسية، حيث تتجاوز مخاوف إسرائيل من تركيا مجرد التعامل مع "دولة" كخصم سياسي تقليدي، لتصل إلى اعتبارها منظومة إقليمية صاعدة قادرة على إعادة صياغة موازين القوى في المنطقة بأكملها. وتنطلق تركيا في هذا الطموح من امتلاكها عمقاً تاريخياً، وجغرافياً، وديموغرافياً يجعلها لاعباً محورياً لا يمكن عزله، مدعومة بمؤسسات دولة راسخة وثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويواكب هذا الثقل العسكري طفرة تكنولوجية غير مسبوقة في مجال الصناعات الدفاعية الوطنية، تجسدت في مشاريع استراتيجية مثل "القبة الفولاذية" والمقاتلات من الجيل الخامس، مما منح أنقرة استقلالية دفاعية وقدرة على الردع لم تعد قابلة للتراجع، إلى جانب تحولها إلى أكبر اقتصاد في العالم الإسلامي يعتمد بالدرجة الأولى على التصنيع والإنتاج بغرض التصدير. هذه القوة الذاتية تفرض معادلة "توازن رعب" دقيقة، حيث تدرك تركيا أن أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل تعني صداماً مع رعاتها الغربيين، مما يدفعها لتبني استراتيجية التخطيط المسبق بدلاً من ردود الأفعال العشوائية؛ وهنا يبرز التساؤل: كيف تسعى تركيا لترسيخ هذا التكتل الإقليمي لتجنب الصدام مع إسرائيل، رغم ما تحمله جبهتها الداخلية من ثغرات قد تجعل المواجهة حتمية؟

يتجاوز المشروع التركي حدود الجغرافيا الوطنية نحو بناء منظومة أمنية واقتصادية إقليمية متكاملة تقوم على الشراكة مع "الأنداد" من القوى الفاعلة والوازنة في المنطقة، بدلاً من الاعتماد على "الوكلاء" الذين يرتبط وجودهم عادة بحالة عدم الاستقرار وتفكيك الكيانات. ويكتسب التنسيق التركي السعودي في هذا السياق أهمية استراتيجية كبرى كونه يمثل حجر الزاوية لتأسيس هذه المنظومة الأمنية المستقلة، والتي تلتقي فيها أنقرة مع الرياض والقاهرة وإسلام آباد على رؤية موحدة تهدف لتحقيق الاستقرار والازدهار الاقتصادي ومنع التدخل الخارجي. هذا التقارب الإقليمي يغير قواعد اللعبة تماماً؛ فهو يجبر إسرائيل على مواجهة منظومة كاملة متفاهمة بدلاً من الانفراد بكل دولة على حدة، مما يعقد حساباتها ويمنعها من القيام بمغامرات عسكرية فردية أو مواصلة استراتيجيات التخريب السياسي والجيوسياسي.

وتتجلى أبعاد هذا العمل الجماعي المناهض لسياسات "الكنتونات" والدول الهشة في ساحات الاحتكاك الحيوية؛ ففي الملف السوري، تبذل تركيا جهداً جماعياً مشتركاً مع المملكة العربية السعودية وقطر يهدف إلى استخدام القنوات الدبلوماسية لإقناع الجانب الأمريكي بضرورة الحفاظ على استقرار سوريا وإعادة بناء مؤسساتها ومنع التدخل الإسرائيلي الذي يستهدف تقويض الدولة عبر توظيف الميليشيات العرقية أو الطائفية في مشاريع التفتيت. وفي الصومال ومنطقة القرن الإفريقي، تبرز جبهة تنسيق إقليمي متينة تضم تركيا والسعودية ومصر لضمان الحفاظ على مكتسبات بناء الدولة الصومالية المركزية، وإحباط المحاولات التي تقودها أطراف -بما في ذلك الحلف الإسرائيلي- لتفتيت الصومال أو تطويق الممرات المائية الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، وهو مخطط تفتيتي تدرك المنظومة الإقليمية أنه يمتد ليشمل ساحات أخرى كاليمن وليبيا. وتتكامل هذه الرؤية مع مقاربة دبلوماسية تجاه واشنطن، تقوم على إقناع الإدارات الأمريكية -خاصة إدارة دونالد ترامب- بأن إحياء وتنمية الدول الفاشلة في المنطقة ودعم استقرار الدول القوية هو السبيل الوحيد لضبط السلوك الإسرائيلي والسماح لأمريكا بالانصراف لمواجهة الصين، وهو استقرار يخدم بالتبعية الاقتصاد التركي التصديري.

ولأن هذا الصعود التركي يواجه بمحاولات تطويق حثيثة، فإن بناء هذه المنظومة يمثل رداً مباشراً لإفشال التحالفات والمشاريع المنافسة التي تقودها أو تشارك فيها إسرائيل، مثل "الممر الهندي-الأوروبي" وحلف "الهيكساغون" السداسي (الذي يضم اليونان وقبرص وفرنسا والهند)، حيث تدرك أنقرة أن مواجهة هذه المحاور لا تتم بالانفراد بالقرار، بل عبر خلق تحالفات مضادة تحمي حقوقها في شرق المتوسط وتمنع استغلال الفوضى لتمرير مسارات بديلة تتجاوزها. ولإحباط هذه المساعي، تطرح تركيا مشاريع ربط تنموية موازية تجعلها ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في حركة التجارة الدولية، مثل "طريق التنمية" المعاصر الذي يربط الخليج العربي بالحدود التركية عبر العراق معتمداً على إعادة تأهيل شبكات النقل التاريخية، ومقارنة ذلك برمزية إحياء الروابط الجيوسياسية لطريق الحجاز القديم الذي يربط الشام بالجزيرة العربية، بالإضافة إلى مشروع "الممر الأوسط" الذي يربط الصين بأوروبا عبر وسط آسيا.

وعلى الرغم من هذه المؤهلات التي تجعل احتمالية المواجهة العسكرية المباشرة أمراً في غاية الصعوبة وغير وارد في المدى المنظور نظراً لسياسة "التنافس المدار" والحفاظ على قنوات اتصال استخباراتية واقتصادية مفتوحة، إلا أن تركيا لا يمكنها استبعاد احتمالية الصدام كلياً. وتدرك أنقرة وجود "بقعة عمياء" تتمثل في نقاط ضعف بنيوية وداخلية قد تستغلها إسرائيل لتغيير المعادلة دون الحاجة لصدام مسلّح؛ إذ إن طبيعة النظام الديمقراطي والجمهوري في تركيا القائم على انتخابات مستقرة ومتجذرة تعني أن أي تحول سياسي أو وصول حزب جديد للسلطة قد يغير توجهات السياسة الخارجية بالكامل، وهو أمر تضعه الحسابات الإسرائيلية في الحسبان. كما يفتح هذا التنافس السياسي الداخلي الباب أمام محاولات إسرائيلية للتدخل غير المباشر عبر الإعلام، أو الضغط السياسي، أو التأثير الاقتصادي والمالي لزعزعة الاستقرار وتغيير الرؤية الإقليمية من الداخل. فضلاً عن ذلك، فإن استناد الحكومة التركية لشرعية شعبية يجعل بعض قراراتها الاستراتيجية، مثل قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل، يأتي استجابة لمطالب الشارع ومواقفه الأخلاقية، مما قد يحد أحياناً من مرونة المناورة السياسية القائمة على الحسابات الباردة المطلقة في مواجهة الأزمات.

وأمام هذه الثغرات البنيوية، تتبنى تركيا استراتيجية "النفس الطويل" القائمة على شراء الوقت وتأجيل الصدام المباشر، مستغلة عامل الزمن لتقوية جبهتها الداخلية وتحصين مكتسباتها على مسارين حاسمين؛ الأول عسكري يهدف لاستكمال المنظومات الدفاعية والوصول بها إلى مرحلة الإنتاج الكمي لتأمين مظلة ردع مستقلة، والثاني مؤسسي ودستوري تسعى من خلاله الحكومة الحالية لإجراء تعديلات تهدف إلى تحصين السياسات الاستراتيجية وترسيخها في مجال التصنيع العسكري، لقطع الطريق على أي إدارة سياسية لاحقة قد تفكر في التراجع بتركيا إلى الوراء.

إن الرهان التركي اليوم يتلخص في تحويل مشروع "المنظومة" إلى حقيقة بنيوية صلبة عبر مؤسسات راسخة، وشراكات إقليمية ممتدة، ومشاريع بنية تحتية عابرة للحدود تفرض واقعاً جيوسياسية جديداً، بحيث تضمن أنقرة ألا تظل مكتسباتها رهينة لتقلبات الداخل، وألا تصبح معرضة للتهديد أو الارتهان في حال اختلفت الإدارة الأمريكية أو تبدلت التحالفات الدولية.

في المحصلة، تحوّل التنافس التركي الإسرائيلي إلى صراع إرادات وجودي بين منظومتين ورؤيتين متناقضتين لمستقبل المنطقة؛ منظومة تسعى إسرائيل وحلفاؤها لفرضها عبر ممرات العزل، واستراتيجيات التفتيت، وخلق "الكنتونات" الهشة، ومنظومة بديلة تقودها أنقرة بشراكات استراتيجية مع أندادها الإقليميين لترسيخ استقرار الدول الوطنية وحماية ممرات التجارة الحيوية. وأمام هذه المعادلة المعقدة، تدرك تركيا أن تحصين مشروعها الإقليمي لا يتوقف عند حدود الردع العسكري العابر للحدود، بل يكمن في قدرتها على سد ثغرات "بقعتها العمياء" في الداخل، وتحويل سياساتها الاستراتيجية العليا إلى ثوابت بنيوية ومؤسسية لا تهزها رياح الانتخابات ولا ترهنها تقلبات التحالفات الدولية. إن كسب رهان "النفس الطويل" وتحويل "المنظومة" إلى حقيقة صلبة، هو وحده ما سيحدد ما إذا كان الصدام المؤجل سيبقى قيد الردع المتبادل، أم أنه سيتفجر مواجهة حتمية تُعيد تُعيد رسم خارطة النفوذ في المنطقة بأكملها.

أستاذة جامعيّة- باحثة سياسيّة