اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

«الغضب الساطع آت» أغنية لفيروز صاحبة الصوت الملائكي على حد توصيف الملحن والمغني محمد عبد الوهاب فيها شيء من النبوءة للوضع المشتعل في الشرق الأوسط والمُهيّأ لتطورات ولحتمية تاريخية وقد تكون إلهية بأن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع وأن لا سلام من دون القدس عاصمة لـ «الدولة الفلسطينية» وفقا للقرارين الدوليين 242 و 338 ولمبادرة العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله. فالقضية الفلسطينية هي القاسم المشترك لـ «دار الإسلام» بكل مكوّناتها ومذاهبها وإتنياتها.

والملاحظ ليس من السهل احتواء البلاد الكنعانية في «الهلال الخصيب» لا في التاريخ اليهودي في بابل ولا في التاريخ الأميركي الحديث والحالي حيث يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسم خريطة طريق أميركية له عبر البوابتين العراقية والسورية من حسابات تجارية ترتكز إلى كتاب «فن الصفقة» الذي يحاول إسقاطه على العلاقات الدولية. وهذا أمر من الإستحالة في مكان. فلا العراق يمكن أن يشكّل «حائط صد» لايران ولا سوريا يمكن أن تتخلى عن الجولان وعن الإنتماء العروبي أو أن تنساق إلى مواجهة عسكرية مع حزب الله في لبنان ولا الإسلام السياسي السنّي في سوريا وفي غيرها يقبل بتهجير الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم واقتلاعهم بالمستوطنات. ذلك أن المثال الذي قدّمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غزة عبر مجلس السلام العالمي لم يكن حتى بالمستوى الذي يضمن الغذاء للفلسطينيين ولا في لجم اسرائيل من قضم الأرض ومتابعة الإغتيالات لإجبار أهل غزة على مغادرتها باتجاه مصر أو الدول القريبة التي تبدي استعدادا لاستقبالهم. ومثال غزة يتكرر في الضفة الغربية باتجاه الأردن.

والسؤال حاليا تعقيدات الشرق الأوسط استدعت حضورا دوليا واسعا في معادلاته. روسيا مطلّة على المتوسط من سوريا عبر مرفأ اللاذقية ومطار حميم العسكري. وتنسج علاقة جيدة مع النظام السوري ورئيسه أحمد الشرع وتدفع باتجاه تحييده عن أي التزامات عسكرية لصالح الولايات المتحدة الأميركية في البقاع والشمال كما تحثّه على أن الخطر الحقيقي على سوريا يتمثل بالنفوذ الاسرائيلي. وهي تسانده بضرورة الإنسحاب الاسرائيلي من الأراضي السورية. كما أن روسيا «تتفهّم» النفوذ التركي في سوريا وتتعايش معه على الساحل السوري. فيما تخطو موسكو نحو إدانة السياسات الاسرائيلية نحو لبنان وسوريا وفي الضفة والقطاع وتعتبر تلك السياسات أنها تحظى بغطاء أميركي. كما تأخذ على نتنياهو علاقاته الوثيقة مع زيلينسكي في العداء الأوكراني لموسكو. وأما المقاربة الروسية الجديدة إلى الشرق الأوسط فناجمة عن كون موسكو تلمس بأن الرئيس دونالد ترامب يقول شيئا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العلن ويمارس عكسه في الخفاء في الموضوع الأوكراني وأنه عمليا يدفع باتجاه محاصرة روسيا بالناتو وعسكرة أوروبا وأن هدفه الأوحد هو أن يتحوّل إلى «امبراطور العالم» في أحادية قطبية لا نزاع عليها حوله.

كذلك الصين تقارب التحوّلات العميقة في الشرق الأوسط من زاوية أن الحرب الأميركية على ايران تستهدفها في اقتصادها وأسواقها و«طريق الحرير» وفي حصارها وتوسيع دائرة الأعداء المحيطين بها في البر والبحر. وأكثر من ذلك في تضييق الخناق عليها عبر إمدادات النفط من مضيق هرمز. كما أنها لا ترتاح بتاتا للحلف الاسرائيلي-الهندي وخصوصا مع رئيس وزراء الهند الذي يبدي تعاطفا كبيرا مع اسرائيل خلافا لسياسات أنديرا غاندي. ولذا التوجه السياسي الجديد لروسيا والصين هو اعتماد منصة مجلس الأمن الدولي منبرا للتعبير عن الإعتراضات الروسية والصينية واحتمالات كبيرة لاستعمال حق الفيتو. وهذا معناه أيضا مساندة ايران بالسلاح وتطوير الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي وعدم السماح للولايات المتحدة بتدمير القدرات العسكرية لايران. أما بالنسبة للقوى الاقليمية الثلاث تركيا ومصر وباكستان والتي تربطها علاقات متوازنة بكل من الولايات المتحدة الأميركية وايران على السواء. فإنها حذرة من السياسات الاسرائيلية كونها تجعلها الهدف الثاني بعد ايران. ولذلك هي في المنحى العام تشجع فكرة «الحل الديبلوماسي». وهذا أمر يتقاطع مع الموقف الروسي والصيني الذي يرى أنه في العودة إلى «مذكرة التفاهم الأميركي-الايراني» يتم قطع الطريق على الأحادية القطبية الأميركية وفتح المجال أمام توازنات جديدة وأحلاف من نوع آخر وعلى استقرار في المنطقة يمهّد لسلام على أساس القرارين 242 و 338 ومبادرة العاهل السعودي الملك عبدالله.

أيا يكن الأمر ما يلحظه المراقب السياسي هو عودة الحرارة لدور الوسطاء بحيث يتمحور الكلام الأميركي والايراني من جديد على «مذكرة التفاهم» وفقا لقراءة الوسطاء واعتمادا على انتزاع «تنازلات متبادلة» يكون محورها الأساسي مضيق هرمز الذي تحوّل إلى أن يكون عقدة الحل والحرب في الوقت نفسه. وهذه المرة المرونة مطلوبة من الطرفين الأميركي والايراني. لأنه خارجها مزيد من التورط والتعقيد والتدمير العبثي. وعلى الأقل تردد الأوساط الأميركية أن هناك معتدلين ايرانيين في السلطة «يحبذون» الحل الديبلوماسي. فما الذي يمنع الرئيس ترامب أن يتجاوب معهم؟


الأكثر قراءة

رغبة الشرع بالحرب ضدّ "حزب الله"