اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لا تستسيغ موسكو وبكين الخريطة الأميركية الجيوسياسية للشرق الأوسط والتي ترتكز إلى تحويل «سوريا الطبيعية» التي كانت محور كتابات المفكر القومي أنطون سعادة إلى «هلال خصيب أميركي». فواشنطن بعد الحرب الأميركية على العراق ومن ثم على أفغانستان كانت تفكّر بالإنسحاب من المنطقة والتحوّل بالإهتمام نحو «أوراسيا» ومحاصرة النفوذين الروسي والصيني على السواء. ولكن مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ان غرس النفوذ الأميركي في سوريا الطبيعية هو الأساس والمرتكز لنفوذ واشنطن على مستوى العالم وتوظيف «دول الناتو» في محاصرة النفوذين الروسي والصيني واحتوائهما.

أما المدخل الأميركي إلى ذلك فهو قطع الطريق على أي شراكات أمنية واقتصادية بين موسكو وبكين وبين الدول الخليجية التي تستشعر ضرورات شبكات أمان دولية إضافية إلى شبكة الأمان الأميركية المكلفة لها في علاقتها مع ايران بحكم انتشار القواعد العسكرية الأميركية المستهدفة من جانب طهران. كما أن واشنطن من خلال إعادة تعريف النفوذ الايراني في المنطقة تريد قطع طريق الحرير على الصين ومحاصرة نفوذها الاقتصادي وأسواقها في الشرق الأوسط وافريقيا وزجّها في احتكاكات جانبية مع الهند والفيليبين واستراليا وكوريا الجنوبية ومحاصرتها بحريا.

من هنا حاجة واشنطن إلى كسب تركيا وإعطائها أدوارا في سوريا ولبنان على أن تكون «حائط صد» لروسيا في القوقاز والبحر الأسود وفي الساحل السوري وفي تحريك الجماعات الاسلامية المتطرفة في روسيا الإتحادية وفي جوارها. وهذا ما يفسر رعاية الرئيس دونالد ترامب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتقديمه حتى على رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو. ومع ذلك حسابات الرئيس أردوغان ليست بالضرورة تتقاطع مع حسابات ترامب في سوريا سواء بالنسبة لمطالبة الدولة السورية بالمواجهة العسكرية مع حزب الله وسواء بالإحتكاك التركي بالوجود العسكري الروسي على الساحل السوري. فالهم الأساسي لأردوغان هو النفوذ الاسرائيلي في سوريا. وكذلك العمل الإستخباري الاسرائيلي داخل تركيا وفي اقليم الاسكندرون حيث يتم الترويج لـ»الدعوة الابراهيمية». وكذلك هناك هامش ضيق متاحا «تركيّا» للرئيس أحمد الشرع لبنانيا. إذ أن أردوغان يعتبر أن المعالجة السلمية لسلاح حزب الله في لبنان لا يمكن أن تتمّ إلا من خلال توافقات أميركية-ايرانية-تركية. فهو يقارب حزب الله من زاوية ضرورية في التوازن مع المشروع الاسرائيلي الذي يتهدد النفوذ التركي في المنطقة. كما أنه وإن كان يحرص على علاقة جيدة بالولايات المتحدة الأميركية إلا أنه يلتقي وايران على فكرة الدولة الاسلامية وعلى دعم الحقوق الفلسطينية المشروعة.

وواقع الأمر حتى أنه ثمة شكوك بأن يتورّط الرئيس التركي في ما يدعو إليه الرئيس ترامب من تورّط في إدوار أميركية تستهدف روسيا. فأردوغان براغماتي بطبيعته ويعطي الأولوية للمصلحة التركية. وقد يكتفي بالتغاضي عن تجنيد تنظيمات اسلامية متطرفة من سوريا لنقلها إلى أوكرانيا أو إتاحة تسللها إلى روسيا والقيام بتنظيم خلايا أو تفجيرات. لكنه لن يذهب أبعد من ذلك. وخصوصا وأن المنطقة حاليا هي على برميل بارود متفجر بعد تورّط أوكرانيا بقصف سفينة ايرانية واحتمال أن يكون الرد الايراني قاسيا بصواريخ بعيدة المدى وبطائرات مسيّرة مما يوسّع من دائرة الحرب. وهذا خطأ ارتكبه الرئيس الأوكراني زيلينسكي الذي ذهب في تقدير خاطئ إلى أنه يخدم السياسة الأميركية في قصفه للسفينة الايرانية. وهذا أمر لا تريده واشنطن التي تعلم مسبقا بأن هناك تعاونا عسكريا ايرانيا-روسيا مستترا أعطاه زيلينسكي الفرصة إلى ترجمة عملانية مكشوفة. فتهوّر زيلينسكي يسيء إلى حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويدفع بمزيد من التشابك بين الحرب الأميركية على ايران والحرب الروسية-الأوكرانية ولا يقصر دائرة التورط على مضيق هرمز ما يخرّب الضغوط الأميركية العسكرية والاقتصادية والأمنية على ايران وما يوسّع من دائرة الحرب وفتح الأبواب على استخدام أسلحة تكتيكية جديدة يتحاشاها إلى الآن الأميركي والروسي والصيني.

وفي التوقعات أن هناك مزيدا من الإقتراب الروسي والصيني من ايران في مواجهة السياسات الأميركية المتنوعة والمتعددة بكل الإتجاهات والتي يحكمها تصوّر بنيوي. وخصوصا بعد مخاوف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن هنك من يخطط في الغرب لاغتياله باعتباره حجر العثرة الأساسي الذي يطمح إلى بناء امبراطورية روسية خارج حسابات الغرب الأميركي والأوروبي على السواء. ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسر حاليا رفع مستوى الحمايات الأمنية للرئيس الروسي ورفع منسوب التنسيق العسكري والإستخباري مع ايران.

خرائط تُرسم للمنطقة. وليس هناك من مقاربة عربية للتعامل معها. هناك مقاربات متعددة ولا يجمعها عنوان واحد للأسف. ومع ذلك توسّع دائرة التوتر إلى خارج الشرق الأوسط هو المدخل الإجباري لمعاودة المفاوضات الأميركية-الايرانية.


الأكثر قراءة

ترامب ــ نتنياهو لقاء مفصلي... ولبنان ثالثهما «حج خليجي» الى بيروت... وتحرك «عنيف» للمودعين