اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

منذ أيلول 2024 وانطلاق الحرب الكبرى على حزب الله، شهدت البلاد كما المنطقة انقلابات وتحولات جذرية انعكست بدورها على الانقسامات والاصطفافات السياسية الداخلية. ومع قرار تأجيل الانتخابات النيابية التي كان يفترض أن تحصل في شهر أيار الماضي، غابت الاستحقاقات التي كانت ستشكل اختبارات فعلية للواقع السياسي في البلد، الى أن أتى حراك "التيار الوطني الحر" والذي نتج عنه مؤتمرا حمل عنوان "حماية لبنان" ليعكس مشهدا جديدا كليا سواء من خلال قراءة دقيقة للقوى التي حضرته وشاركت فيه أو تلك التي قاطعته أو من خلال المواقف التي أطلقت عبره.

ولعل التحول الأبرز الذي يفترض التوقف عنده هو تغيّب حزب الله عن هذا المؤتمر، الحزب الذي لطالما كان الحليف الأول للتيار الوطني الحر منذ العام 2006. لكن مواقف قيادة التيار منذ حرب إسناد غزة، وحتى يومنا هذا، عمقت الهوة كثيرا بين الطرفين، ليأتي هذا المؤتمر وقرار الحزب مقاطعته، ليؤكدا أن الطلاق بينهما بات فعليا وأن ردم الهوة المتسعة سيتطلب سنوات طويلة خاصة في ظل اعتبار جمهور الحزب أنه طُعن بالظهر من قبل التيار.

وإذا كان غياب حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي عن المؤتمر لا يثير الكثير من الاستغراب، في ظل الخصومة السياسية المزمنة التي تجمعهما بالتيار الوطني الحر، فإن اللافت تمثّل في مشاركة ممثل عن حركة أمل، بما يعكس تحولاً في العلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي شكّل لسنوات أحد أبرز الخصوم السياسيين لجبران باسيل.

وفي موازاة ذلك، عكس الحضور السني اللافت في المؤتمر مؤشراً إلى تراجع، ولو جزئياً، في حدة القطيعة التي طبعت علاقة الشارع السني بالعونية السياسية خلال السنوات الماضية، بما يوحي بإعادة تموضع لدى بعض القوى والشخصيات، أو على الأقل بانفتاح على مقاربة مختلفة في المرحلة الراهنة.

ويقول أحد نواب التيار الوطني الحر إن التيار يبدو اليوم، سياسياً، أقرب من أي وقت مضى إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط. ويعزو ذلك إلى التقارب في المواقف حيال ملفات أساسية، أبرزها اتفاق الإطار، والسلام مع إسرائيل، ومستقبل العلاقة مع حزب الله، إضافة إلى ملف سلاح الحزب، حيث باتت مقاربة الأطراف الثلاثة أكثر انسجاماً في هذه المرحلة.

إلا أن النائب نفسه يستبعد أن يترجم هذا التقارب إلى تحالف سياسي فعلي، معتبراً أن أي خطوة من هذا النوع تبقى شبه مستحيلة في الوقت الراهن، نظراً إلى أن قواعد التيار وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي لا تزال تجد صعوبة في تقبل تحالف يجمع هذه القوى بعد عقود من الخصومة السياسية.

ولعلّ اللافت أيضاً أن القوى التي اجتمعت تحت سقف هذا المؤتمر وأيّدت الورقة السياسية الصادرة عنه لم تكن على موقف واحد من آلية معالجة ملف سلاح حزب الله وحصرية السلاح بيد الدولة. ففي حين ربط التيار الوطني الحر وحركة أمل، وكذلك الحزب الديمقراطي، هذا الملف بإقرار استراتيجية دفاع وطني تحدد مستقبل السلاح ودوره، تمسكت قوى أخرى، وفي مقدمها شخصيات وقوى سنية، بضرورة المضي فوراً في تنفيذ مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، من دون ربطه بأي مسار أو تفاهم سياسي آخر.

بالمحصلة، قد لا يكون مؤتمر "حماية لبنان" قد أسّس لتحالفات جديدة، لكنه كشف بوضوح أن الاصطفافات التي حكمت الحياة السياسية اللبنانية طوال العقدين الماضيين لم تعد على حالها. وما نشهده اليوم ليس ولادة محاور جديدة بقدر ما هو مرحلة انتقالية يعاد فيها رسم خرائط السياسة اللبنانية على وقع التحولات الداخلية والإقليمية.

الأكثر قراءة

يا أهل الكهف استيقظوا...!