اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أولًا- من الانهيار الاقتصادي إلى إعادة رسم خريطة الهجرة اللبنانية

لا يمكن تفسير صعود أوروبا كوجهة رئيسية للبنانيين من خلال عوامل الجذب الأوروبية وحدها، بل يجب ربطه بالبيئة الطاردة التي تشكّلت في لبنان منذ عام 2019. فقد أدى الانهيار المالي إلى تقلص الاقتصاد الحقيقي، وتراجعت فرص العمل وقيمة الأجور والمدخرات، بالتوازي مع انهيار الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية. ولم تعد الهجرة في هذا السياق وسيلة لتحسين الدخل فقط، بل تحولت إلى استراتيجية أسرية لحماية المستقبل واستعادة القدرة على التخطيط للحياة.

وتؤكد استطلاعات الباروميتر العربي لعام 2024 عمق هذا التحول؛ إذ عبّر 38% من اللبنانيين عن رغبتهم في الهجرة، وارتفعت النسبة إلى 58% بين الشباب في عمر 18–29 سنة . كما حدّد 72% من الراغبين في المغادرة الأوضاع الاقتصادية بوصفها الدافع الأول، فيما ارتفع أثر المخاوف الأمنية من 13% عام 2022 إلى 27% عام 2024.


وبلغت الرغبة في الهجرة 46% لدى حملة الشهادات الجامعية، ما يبرز الطابع الانتقائي للموجة الجديدة وخطرها على رأس المال البشري. كما أضافت الحرب والنزوح الداخلي بعدًا قسريًا إلى الهجرة، التي تحولت من هجرة الفرص إلى هجرة الاستقرار والبقاء.

ثانيًا- أوروبا تستقبل الموجة اللبنانية الجديدة... من الرغبة في المغادرة إلى الإقامة الفعلية

تكشف التقديرات الحديثة أن أوروبا باتت الوجهة المفضلة لدى 38.1% من اللبنانيين الراغبين في الهجرة، متقدمة على أميركا الشمالية بنسبة 20.5%، ودول الخليج بنسبة 18.6%. غير أن نسبة محدودة، تقارب 9.3% من المستطلعين، كانت قد اتخذت خطوات قانونية عملية، كطلب التأشيرة أو إعداد الوثائق أو الحصول على عقد عمل.

وبحسب البيانات الاحصائية الرسمية الصادرة عن المكتب الاحصائي للاتحاد الأوروبي (Eurostat)، فقد منح نحو 9.914 تصريح إقامة أول للبنانيين عام 2020، رغم قيود السفر المرتبطة بجائحة كورونا، ثم عادت الأعداد إلى الارتفاع مع فتح الحدود وتعاظم الأزمة اللبنانية.

وتظهر المؤشرات أن ألمانيا وفرنسا والسويد تمثل مراكز أساسية للهجرة الجديدة، لكن قنوات الدخول ليست واحدة؛ فبعضها يرتبط بالعمل والتعليم، وبعضها بلمّ الشمل أو الحماية. وبين أيار 2024 وآب 2025، تقدم لبنانيون بأكثر قليلًا من 3,000 طلب حماية دولية في دول الاتحاد الأوروبي ودول الشراكة، وكانت ألمانيا الوجهة الأولى، تلتها فرنسا والسويد .

ثالثاً- من موجات الهجرة إلى تشكّل فضاء ديموغرافي لبناني جديد في أوروبا

لم تعد الهجرة اللبنانية إلى أوروبا تقتصر على انتقال أفراد بحثاً عن فرص العمل أو الدراسة، بل تحولت إلى مسار ديموغرافي طويل الأمد أعاد تشكيل جزء من المجتمع اللبناني خارج حدوده. كما أن أوروبا لم تعد مجرد وجهة للهجرة، بل أصبحت فضاءً ديموغرافياً جديداً يستقطب أعداداً متزايدة من اللبنانيين ويعيد إنتاج المجتمع اللبناني عبر الأجيال.

ويمكن التمييز بين مستويين مختلفين للوجود اللبناني في أوروبا. يتمثل المستوى الأول في المهاجرين المولودين في لبنان، وعددهم يقترب من ربع مليون شخص، يتمركز معظمهم في عدد محدود من الدول الأوروبية. وتحتل ألمانيا المرتبة الأولى بنحو 85,980 مقيماً مولوداً في لبنان، تليها فرنسا بحوالي 50 ألفاً، ثم السويد بنحو 29 ألفاً، وإنجلترا وويلز 19,885 على الأقل، والدنمارك بحوالي 13.111، ثم بلجيكا 9.158، وسويسرا 8.355، وإيطاليا 7.929، وهولندا 5.179، وإسبانيا 4.868. وتعكس هذه الأرقام التحول الكبير في اتجاهات الهجرة اللبنانية خلال العقد الأخير، ولا سيما بعد عام 2019، عندما أصبحت أوروبا الوجهة الأكثر جذباً للهجرة الدائمة.

إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للوجود اللبناني في أوروبا، لأنها تقتصر على الجيل الأول من المهاجرين. فعند الانتقال إلى المؤشر الثاني، أي ذوي الأصل ويشمل المهاجرين الأوائل، والمتجنسين، وأبناءهم وأحفادهم الذين ولدوا في الدول الأوروبية واكتسبوا جنسياتها، ترتفع الأرقام لتتجاوز 600 ألف شخص، وتقترب من 700 ألف وفق بعض التقديرات الوطنية. وتضم فرنسا أكبر تجمع أوروبي يقدر بين 300 و375 ألف شخص، تليها ألمانيا بحوالي 200 ألف، ثم المملكة المتحدة بحوالي 90 ألفاً، إضافة إلى تجمعات مستقرة في السويد والدنمارك وإسبانيا وبلجيكا وسويسرا وهولندا وإيطاليا.

ويكشف هذا التمييز بين المهاجرين المولودين في لبنان وذوي الأصل اللبناني عن تحول بنيوي في طبيعة الهجرة اللبنانية. حيث انتقل الانتشار اللبناني من مرحلة «الجاليات المهاجرة» إلى مرحلة «المجتمعات اللبنانية متعددة الأجيال» التي أصبحت جزءاً من النسيج السكاني في عدد من الدول الأوروبية.

وتزداد أهمية هذا التحول عند ربطه بالمسار الديموغرافي داخل لبنان. ففي الوقت الذي يشهد فيه البلد انخفاضاً في معدلات الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال السكاني، وتسارعاً في شيخوخة السكان، واستمراراً في هجرة الفئات الشابة والكفاءات العلمية، يتوسع في المقابل المجتمع اللبناني في أوروبا من خلال الهجرة والاستقرار والولادات الجديدة. ويعني ذلك أن النمو الديموغرافي للبنانيين أصبح يتحقق بدرجة متزايدة خارج الحدود الوطنية، وهو تحول غير مسبوق في التاريخ السكاني الحديث للبنان.

رابعًا- أوروبا تبحث عن السكان والكفاءات... ولبنان يفقدهما

يرتبط تصاعد الهجرة اللبنانية إلى أوروبا بتحولين ديموغرافيين متعاكسين: تواجه دول أوروبية عديدة شيخوخة سكانية وانخفاضًا في أعداد الداخلين إلى سوق العمل، بينما يخسر لبنان نسبة متزايدة من شبابه وأصحاب المهارات. حيث أصبحت الهجرة جزءًا من سياسات أوروبية منظمة تهدف إلى تعويض النقص في العمالة والمهارات، ولا سيما في قطاعات الصحة والهندسة والتكنولوجيا والبحث العلمي.

وتتمثل هذه السياسة في توسيع مسارات العمالة المؤهلة، وفي مقدمتها البطاقة الزرقاء الأوروبية، وتأشيرات البحث عن العمل، وبرامج الاعتراف بالمؤهلات واستقطاب الطلاب والباحثين. وقد أصدرت دول الاتحاد الأوروبي نحو 78.100 بطاقة زرقاء عام 2024، استحوذت ألمانيا وحدها على قرابة 56.300 بطاقة، أي نحو 72% من الإجمالي. كما أُصدر نحو 475 ألف تصريح للدراسة والبحث العلمي، تصدرت فيها ألمانيا وفرنسا الوجهات الرئيسة. ولا تخص هذه الأرقام اللبنانيين وحدهم، لكنها تكشف حجم البنية القانونية التي تستقبل من خلالها أوروبا أصحاب المهارات القادمين من الخارج.

وتكتسب الكفاءات اللبنانية جاذبية خاصة بفعل المستوى التعليمي، وتعدد اللغات، وانتشار أنظمة تعليمية جامعية مرتبطة بالفرنسية والإنجليزية، إلى جانب وجود شبكات لبنانية تساعد على الدخول إلى أسواق العمل. وتبرز فرنسا في استقطاب الأطباء والباحثين والجامعيين بسبب اللغة والروابط التعليمية، فيما توفر ألمانيا قنوات أوسع للأطباء والمهندسين وخبراء التكنولوجيا، من خلال الاعتراف المهني والبطاقة الزرقاء. كما تستقطب المملكة المتحدة وسويسرا والدول الإسكندنافية، العاملين الصحيين في سياق اعتماد أوروبي متزايد على الكفاءات المدرَّبة في الخارج.

وفي المقابل، تكشف الأرقام اللبنانية حجم الخسارة في لبنان، فقد قدّرت منظمة الصحة العالمية أن نحو 40% من الأطباء المهرة و30% من الممرضين والممرضات المسجلين غادروا لبنان بصورة مؤقتة أو دائمة، مع خروج نحو 2.000 طبيب و1,500 ممرض وممرضة في المراحل الأولى من الأزمة. وتشير التقديرات النقابية الأوسع إلى استمرار الخروج ليشمل أطباء اختصاص وأساتذة جامعيين وممرضين ذوي خبرة. كما اتسعت الهجرة في قطاعات الهندسة والتكنولوجيا، حيث يتزايد عدد المهندسين اللبنانيين بحسب دول العمل الأوروبية.

وهكذا يتحمل لبنان جزءًا كبيرًا من كلفة تعليم الطبيب أو المهندس والباحث، بينما تحصل دولة المقصد على قوة عمل جاهزة في مرحلة الإنتاج، من دون تحمل الكلفة الكاملة لتكوينها. فيما تتسارع في لبنان خسارة الفئات الشابة والمنتجة.

خامسًا- لبنان أمام التحول الديموغرافي الكبير... من إدارة الخسارة إلى الشراكة مع الانتشار

تضع موجات الهجرة المغادرة لبنان أمام تحول سكاني يتجاوز مسألة انخفاض عدد المقيمين. فالهجرة تتزامن مع تراجع الخصوبة إلى ما دون مستوى الإحلال، وتقلص أعداد الأطفال والشباب، واتساع وزن كبار السن، بما يضعف قدرة المجتمع على تجديد نفسه. ويزداد الأثر عمقًا لأن المغادرين يتركزون في الفئات العمرية المنتجة وفي أعمار تكوين الأسر، فتنتقل معهم نسبة من الولادات المستقبلية إلى الخارج، في حين يبقى في الداخل مجتمع أصغر وأكثر تقدمًا في السن.

ويؤثر هذا التحول في العلاقة بين السكان والاقتصاد. فتراجع حجم القوى العاملة يؤدي تدريجيًا إلى نقص في بعض المهن، وارتفاع العبء النسبي لإعالة الأطفال وكبار السن. كما تتضرر الجامعات والمؤسسات العامة والقطاعات الإنتاجية من تقلص الطلب الداخلي وفقدان جزء من كوادرها، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى إعادة بناء مؤسساته وخدماته بعد سنوات الانهيار والحرب. ومن ثم، فإن الهجرة لا تقلص عدد السكان فقط، بل تقلص القدرة المؤسسية والاقتصادية على التعافي.

في المقابل، أسهم الانتشار اللبناني في منع انهيار اجتماعي أوسع عبر التحويلات المالية. وقد بلغت التحويلات الشخصية نسبة مرتفعة جدًا من الناتج المحلي خلال سنوات الأزمة، فموّلت الإنفاق الأسري على الغذاء والصحة والتعليم والسكن. إلا أن الاعتماد المتزايد عليها يكشف مفارقة أساسية: فالتحويلات تخفف نتائج الأزمة، لكنها لا تعالج أسبابها ولا تعوض خسارة السكان والمهارات.

لذلك، فالمطلوب بناء سياسة وطنية للهجرة والانتشار تنطلق من الاعتراف بأن جزءًا كبيرًا من المجتمع اللبناني أصبح مستقرًا خارج البلاد. ويمكن لهذه السياسة أن تقوم على قاعدة بيانات وطنية للمهاجرين والكفاءات، وربط الجامعات والنقابات والمؤسسات الإنتاجية بشبكاتها في الخارج.

وتحتاج هذه الشراكة إلى إصلاح البيئة الداخلية؛ والانتقال من مفهوم «استعادة العقول» إلى دورة الكفاءات، بحيث يستطيع اللبناني المقيم في أوروبا أن يشارك في تدريب العاملين في لبنان.

الخاتمة

إن أوروبا لم تعد مجرد محطة جديدة للهجرة اللبنانية، بل أصبحت البوابة الرئيسة لإعادة تشكيل الانتشار اللبناني في القرن الحادي والعشرين. وإذا كانت أزمة 2019 قد فتحت هذه البوابة على موجات غير مسبوقة من الهجرة، فإن التحدي الأكبر أمام لبنان لم يعد يتمثل في وقف الهجرة، بل في إدارة علاقتها بالانتشار الجديد، وتحويله من نزيف ديموغرافي إلى شراكة استراتيجية تسهم في إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع والدولة. 

* رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية


الأكثر قراءة

جولة التفاوض تترنح... لا جديد في ايلول؟ «العين» على الجلسة التشريعية...هل يمر العفو وقانون الاعلام؟